GO MOBILE version!
فتاوى حفظ النفس مقدّم على إتمام الصلاة عند الخطر الدّاهم

حفظ النفس مقدّم على إتمام الصلاة عند الخطر الدّاهم

24 ذو القعدة 1439 - أغسطس 6 2018 - 1:28:48 مـ

بمناسبة الزلزال الذي حدث في أندونيسيا بالأمس، تداول نشطاء على وسائل التواصل، وبعض طلبة العلم هذا الفيديو، ورأوا أن تصرف الإمام صحيح، وأن ذلك علامة قوة الإيمان وثبات الإمام وحبه لله، ولومات على ذلك فنعمت الميتة تلك، إلى آخر هذا الكلام..
وأحب أن يتم التفريق بين الأحكام الشرعية وبين مقامات الأحوال ومدارج السالكين، الفرق كبير بين حكم شرعي وبين كلام وعظي..
الأصل أن المصلي إذا دخل في صلاته يحرم عليه قطعها اختياراً، أما إذا قطعها لضرورة كحفظ نفس محترمة من تلف أو ضرر، أو قطعها لإحراز مال يخاف ضياعه، فيجوز له ذلك، وقد يجب في بعض الحالات كإغاثة ملهوف وإنقاذ غريق أو إطفاء حريق، أو قطعها لطفل أو أعمى يقعان في بئر أو نار..
ونحن الآن أمام حالة ضرورة واضحة لا يجوز فيها فقط قطع الصلاة بل "يجب" يقينا قطع الصلاة، ولا يجوز للإمام أن يكمل صلاته والحال هذه، فحفظ النفوس البشرية من الهلاك من كليات المقاصد القطعية، وفواتها لا يستدرك، أما فوات الصلاة في وقتها فيستدرك، وحتى لو فات الوقت فيمكن قضاؤها على مذهب من قال ذلك..
جاء في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام: قاعدة في الموازنة بين المصالح والمفاسد... المثال الثامن: (تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين على أداء الصلاة؛ لأن إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من أداء الصلاة، والجمع بين المصلحتين ممكن بأن ينقذ الغريق ثم يقضي الصلاة. ومعلوم أن ما فاته من مصلحة أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ نفس مسلمة من الهلاك). انتهى. فكيف يجوز للإمام أن يكمل صلاته ويغامر بنفوس معصومة وراءه؟ وإذا أًصر الإمام على إكمال الصلاة لجهله "وجب" على المأمومين قطع الصلاة ومفارقة الإمام ومغادرة المسجد فورا.
بل قرر الشرع قطع الصلاة لإنقاذ كافر!! جاء في كشاف القناع: (ويجب رد كافر معصوم بذمة أو هدنة أو أمان عن بئر ونحوه كحية تقصده كرد مسلم عن ذلك بجامع العصمة، و"يجب" إنقاذ غريق ونحوه كحريق فيقطع الصلاة لذلك فرضاً كانت أو نفلاً، وظاهره: ولو ضاق وقتها لأنه يمكن تداركها بالقضاء بخلاف الغريق ونحوه، فإن أبى قطعها لإنقاذ الغريق ونحوه "أثم" وصحت صلاته). انتهى. فالنفس الكافرة معصومة ما لم تكن معتدية، وإنقاذها واجب، كما أن الحكم على عدم قطع الصلاة بالإثم يُخرج القطع من حالة الجواز إلى حالة الوجوب، فليس في ترك الجواز إثمٌ، وإنما الإثم في ترك الوجوب كما هو مقرر عند الأصوليين.
فالواجب في مثل هذه الحالة التي تدوالها من نشروها وأيدوها أن يقطع الإمامُ الصلاة، ويأمر المصلين بالخروج فورا، وخارج المسجد بعيدا عن الأبنية يمكن أن يكمل الناسُ صلاتهم، ويقنتون فيها تضرعا لله، أو يعودوا للمسجد مرة أخرى ويؤدوا الصلاة بعد انتهاء الزلزال وتوابعه، حتى لو فات وقتها فلا بأس، ويكون عليهم القضاء. والله تعالى أعلم.

5060