GO MOBILE version!

الرواية الجهادية للتجربة الجزائرية


موعدنا في السطور القادمة مع تجربة جديدة، لكنها هذه المرة تجربة فاشلة ومريرة وليست ناجحة على غرار تجربة تأسيس حركة حماس، وهي التجربة الجزائرية، ونعرض لها هنا من وجهة النظر الجهادية، وهي الوجهة المغمورة التي نادرا ما يلتفت لها أحد في سياق تحليل ما حدث بالجزائر.

نعرض هنا لكتاب "مختصر شهادتي على التجربة الجهادية في الجزائر" لمؤرخ الجهاديين الأبرز مصطفى عبد القادر المعروف بـ "أبي مصعب السوري"، وهو شاهد عيان على تجارب جهادية عديدة في سوريا وأفغانستان والجزائر، وأصل عمله مهندس ثم درس التاريخ، ويجيد أربع لغات: العربية والفرنسية والإسبانية وبشكل أقل: الإنجليزية، وكتاباته مصدر أساسي لتحليل الفكر الجهادي، ويكاد يكون الوحيد الذي اهتم بالتأريخ للحالة الجهادية من الجهاديين، وقد اعتقلته السلطات الباكستانية عام 2006 في إطار التعاون الباكستاني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، وآخر المعلومات المتوفرة عنه أنه مسجون في سوريا، ولا يُعرف مصيره على وجه اليقين.

كان أبو مصعب شاهد عيان على تجربة الجزائر، ويقول بأنه كتب فيها كتابا مفصلا لكنه ضاع ضمن ما ضاع من أوراقه مع حرب أفغانستان (2001م) ولم يبق إلا أن يسجل التجربة من ذاكرته وقليل مما بقي له من أوراق، ومن هنا نشر كتابه هذا إلكترونيا، فألقى به الضوء على مساحة مجهولة في تاريخ التجربة.

ندلف الآن إلى خلاصات الكتاب:
1. التجربة الجزائرية من أهم التجارب الجهادية بل وتجارب الصحوة الإسلامية في الدروس والعبر.

2. يعود الفضل لاحتفاظ الجزائر بهويتها وعروبتها للرجل الفذ عبد الحميد بن باديس الذي أسس "جمعية علماء المسلمين".

3. لما أيقنت فرنسا استحالة استقرارها في الجزائر عملت على أن يكون الحكم بعدها للمتغربين، ولهذا قال ديغول "سنعطيهم استقلال الجزائر ولكن سنأخذها مرة أخرى بعد ثلاثين سنة".

4. آلت الأمور إلى هواري بومدين الذي كان قوميا يساريا، وكان عهده عسكريا بوليسيا، وصار حزب المتفرنسين "جبهة التحرير الوطني" هو حزب السلطة الذي تولى مهمة حرب الإسلام وتصفية الإسلاميين، وسارت الجزائر إلى الإفلاس والهاوية. ثم زاد الطين بلة حين جاء بعده الشاذلي بن جديد الذي زاد على سيئات سلفه سياسة العودة إلى أحضان فرنسا، فازداد ترسخ النفوذ الفرنسي والعسكري، وزادت أحوال الجزائر سوءا وإفلاسا رغم كونها من كبرى الدول المصدرة للنفط والغاز في العالم.

5. في السبعينات بزغت ثورة جهادية قادها الشيخ مصطفى بويعلي، وكان من المجاهدين القدامى ضد فرنسا، لكن السلطة استطاعت إجهاض حركته وقتلته (1976م).

6. بلغت الأزمة الاقتصادية مداها في الثمانينات وانفجرت عنها ما عرفت بـ "مظاهرات الخبز"، ولم تجد السلطة سبيلا لامتصاص الغضب إلا الإعلان عن إصلاحات سياسية تنهي نظام الحزب الواحد وتطلق المسار الديمقراطي وحرية تشكيل الأحزاب، وأعلن عن إجراء انتخابات بلدية (1988م) ثم برلمانية (1989م).

7. كان طبيعيا أن يؤدي جو الحريات إلى ازدهار للصحوة الإسلامية، وتأسست "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" من مجموعة اتجاهات إسلامية حتى لم يبق خارجها إلا جماعة الإخوان بزعامة محفوظ نحناح وجماعة النهضة الإسلامية بزعامة الشيخ عبد الله جاب الله.

8. كان خطاب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" مرتبكا ومضطربا في مسألة الديمقراطية، إذ كان عباسي مدني أكثر دبلوماسية بينما كان خطاب علي بلحاج أكثر وضوحا ومفاده أنهم يخوضون الديمقراطية لثقتهم في الفوز، بينما مشروعهم تطبيق الشريعة الإسلامية، وبقدر ما أفادهم هذا الازدواج في جمع صفوف الإسلاميين على اختلافهم وراء الجبهة، بقدر ما أعطى الذرائع القوية لمن عصهم بتجربتهم ونصرهم الديمقراطي بذريعة أنهم لا يؤمنون بالديمقراطية إلا لإلغائها.

9. وأما بقية الإسلاميين، فقد ظل الإخوان –بزعامة نحناح- على موقف العداء والمناوءة والهجوم على الجبهة إلى النهاية حتى في ظل محنتهم، بينما كانت مناوءة حزب النهضة الإسلامية غير مباشرة، وتحولوا مع الوقت إلى مزيج من الفكر الإسلامي والوطني والليبرالي الديمقراطي. وأما السلفيون فكانت شريحة كبيرة منهم على الفكر الجامي المدخلي وأولئك كانوا مع السلطة ضد كل الطيف الإسلامي، ثم بعض الشباب السلفي المتشدد الذين عُرِفوا بـ "سلفية العاصمة" وأولئك تفشت فيهم منذ البداية أفكار التشدد والتكفير. وبقي بعض الجهاديين من أنصار الشيخ مصطفى بويعلى معتزلين الجبهة لرفضهم دخولها في الديمقراطية.

10. أسفرت الانتخابات البلدية عن نصر ساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتلقى حزب السلطة "جبهة التحرير الوطني" هزيمة غير متوقعة، ولم تحصل الأحزاب العلمانية حديثة التشكل إلا على نسب ضئيلة، وتولى عناصر الجبهة معظم بلديات الجزائر، وعملوا في خدمة الناس بروح طيبة وإخلاص افتقدها الجزائريون منذ عهود طويلة، فزاد هذا في رفع أسهم الجبهة شعبيا، ومهَّد لها النصر التالي.

11. أسفر الدور الأول من انتخابات البرلمان عن فوز ساحق تام لجبهة الإنقاذ، وبدا معه أن الدور الثاني سيُمكِّنها من تشكيل الحكومة منفردة، والترشح لرئاسة الدولة. فضربت أجراس الإنذار ونواقيس الخطر في مشرق الأرض ومغاربها وأعلنت الدول الكبرى استعدادها للتدخل لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة.
​​​​​

سرعان ما برز اسم "الجماعة الإسلامية المسلحة" كأهم كتلة مسلحة تواجه السلطة في الجزائر، وكانت السلطة قد وسعت عمليات القتل والتصفية تجاه الجماعة الإسلامية.

12. وهنا وقع الانقلاب العسكري، ولم تبال السلطة بالاعتصام الكبير الذي ضم مئات الآلاف، واعتقلت قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأودعتهم السجون، وقد جرى الاعتقال بطريقة عجيبة إذ ظنت القيادات أن ما معهم من "الشرعية" يحول بينهم وبين الاعتقال! وبهذا افتقدت الحركةُ للقيادة، وعادت مكونات الجبهة للعمل بصورة غير مركزية، فبرزت بعض القيادات لكتل متفرقة في العاصمة والجبال، ثم سُحِقت المظاهرات بالحديد والنار، فانفلت الوضع من الإسلاميين، وعمَّت الفوضى والأعمال المسلحة. ثم انشقت بعض قيادات مجلس شورى جبهة الإنقاذ ودخلت في تفاوض مع الحكومة بينما رفض آخرون هذا واختاروا مواجهة النظام وشكلوا "الجيش الإسلامي للإنقاذ".

13. كان مئات من الشباب الجزائري قد ذهب للجهاد الأفغاني، وبرز فيهم شاب فاضل حافظ للقرآن يدعى "القاري سعيد"، وكان لديه مشروع تشكيل تنظيم جهادي في الجزائر، وعُرف هذا التنظيم بـ "الأفغان الجزائريين"، ولم يكن متعجلا وإنما انصب اهتمامه على التدريب والإعداد. فلما تسارعت أحداث الجزائر رأى القاري سعيد بأن الوقت قد حان لخوض التجربة، فعاد إلى الجزائر ورتب أموره وأخبر أصحابه في أفغانستان بأنهم قد شكلوا "الجماعة الإسلامية المسلحة"، وكان ذلك في أوائل (1991) تقريبا.

14. سرعان ما برز اسم "الجماعة الإسلامية المسلحة" كأهم كتلة مسلحة تواجه السلطة، وكانت السلطة قد وسعت عمليات القتل والتصفية، وصار الأمر كالحرب المفتوحة، ثم اعتقل "القاري سعيد" إثر تنفيذه هجمة كبرى على قيادة القوات البحرية في العاصمة، لكنه بعد أشهر استطاع الهرب مع أكثر من 700 سجين، والتحقوا بالجبال.

وقد روى بعضهم -والله أعلم- أن الاستخبارات الجزائرية سهلت عملية الهروب لزرع الجواسيس وسط المجاهدين أثناء الفرار، وبذل القاري سعيد جهدا واسعا في توحيد الفصائل لكنه قُتِل في ظروف غامضة أواخر (1994). ليبدأ الفصل الأهم في التجربة المريرة.

وهو ما سيتم عرضه بمشيئة الله في المقال رقم (2).

1867