الجمعة 24 مايو 2019 04:02 مـ 19 رمضان 1440هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    هل ”الحجاب” رمز جنسي وسياسي وأيديولوجي؟

    رابطة علماء أهل السنة

    هل "الحجاب" رمز جنسي وسياسي وأيديولوجي؟

    بقلم : أ. حسام شاكر

     

    مفاهيم بغيضة ومعانٍ كريهة، يسردها بعضهم في سرديّات قطعية، ويتّخذونها ذريعةً لفرض قوانين ومباشرة إجراءات في دول وأقاليم عدّة تقضي بحظره في المدارس والجامعات والوظائف العامّة وغيرها. إنه "الحجاب" الذي تطارده ثقافة تضييق وحظر في أمم ديمقراطية، وتتسلّط عليه حملات ذمّ وتشهير في بلاد العرب والمسلمين ذاتها، التي تغترف من مقولات نمطية تم تجهيزها في أوروبا ابتداءً، بالقول إنه "رمز جنسي، أو سياسي، أو أيديولوجي"، أو "رمز اضطهاد".

    ثمة مراجعة مستحقّة لمفردة "الحجاب" ذاتها وهل هي وفيّة حقاً في التعبير عن الستر الشرعي، فالتستّر لا يحجب حضور المرأة أساساً وإنما يُعينها على الانطلاق في المجتمع وعدم الاحتجاب عنه، وإنْ ستَرت بدنها وغطّت شعرها عن الأنظار. تقتضي هذه المسألة المفهومية والاصطلاحية وقفةً مستقلّة بذاتها في مقام آخر، وسيُكتفَى هنا بالتعامل مع مفردة "الحجاب" على ما هي عليه؛ مع محاصرتها بمزدوجيْن.

     

    مفهوم اختزالي للتستر

    يتوارى مفهوم التستّر أو الستر الشرعي في الخطابات الرائجة حول العالم، ويقع اختزاله في جزئية تغطية الشعر، وهو ما تشي به مفردة "هيدسكارف" الإنجليزية أو "فولار" الفرنسية أو "كوبْفتوخ" الألمانية أو "بانيويلو" الإسبانية مثلاً. أعان هذا التصوّر الاختزالي على تسليط حملات ثقافية وإعلامية وسياسية على قطعة قماش محدّدة وقع الإمعان في ترميزها سلباً وذمِّها والتشهير بها؛ وصولاً إلى التضييق عليها وحظرها، رغم ما تحرزه من تمدّد عالمي وما تنتزعه من اعتراف متزايد بحضورها في عهد العولمة. لكنّ الخطابات المُغالية تجاهلت مفهوم التستّر وعمدت إلى تغليب الشكل وتجاهُل الوظيفة، وباشرت إفراغ شحنات تأويلية متحاملة على قطعة قماش محدّدة فوق الرأس، بالقول إنها "رمز للاضطهاد، رمز سياسي، رمز جنسي، رمز أيديولوجي، رمز رجعي"، وما إلى ذلك من متلازمات ذميمة.

    أسقطت الخطابات الرائجة قوالبها النمطية وأحكامها المُسبقة على رؤوس المسلمات، مع تأويل اختياراتهنّ في اللباس بمنطق مركزي أوروبي نمطي مشبّع بعقد الماضي، وهو بمثابة تفسير احتكاري؛ بما أملى تأويلاً خاصاً لهذا التستّر وكأنه اجتياح شكلي تتولّاه رؤوس متماثلة تحمل راياتها، مع تجاهل وظيفة القماش الأصلية في التستّر.

     

    هل "الحجاب" رمز؟

    إنّ وَصْف اختيارات النساء والفتيات المسلمات من الملابس المتستِّرة بأنها "رمز" لشيء ما؛ جاء في أساسه حيلةً متذاكية تواطأ بعضهم على تمريرها وتكريسها بلا فحص نقدي لمزاعمهم. فمفهوم "الرمز" قابل أساساً للإسقاط على الأشياء جميعاً في المجال الحسِّي؛ بما في ذلك الملبوسات عموماً. فما الذي يجعل لباساً متستِّراً هو وحده "الرمز" دون سواه؟ وما الذي يمنح "الرمز" المزعوم دلالة أحادية قطعية لا تبديل لها؟
     

    إنّ اختصاص "الحجاب" بمفهوم "الرمز" دون سائر اللباس إنّما جاء تعبيراً عن تحيّزات انتقائية في الاختيار وفي التأويل. فاعتبار هذا "الرمز" القماشي علامة مشبّعة بدلالات ذميمة؛ هو تأويل ينبثق من منظور متحامل انغلق على قراءته الحصرية المزعومة لما يُعَد رمزاً؛ دون سواه من القراءات المُحتمَلة.

    وإنْ زعَم أحدهم أنّ ربطة العنق الرجالية هي رمز مؤكّد للأناقة؛ ألا يحُتَمل أن يكون تأويله هذا متسرِّعاً ومتحيِّزاً. فربطة العنق قد تشي بنزعة تكلّف أو انغلاق أو برسمية زائدة أيضاً، حتى أنها منبوذة تقريباً في "الوظائف الإبداعية"، وصارت في بعض الأوساط علامةً على زمن مضى حتى لدى طلبة الجامعة قبل أن يتمرّدوا عليها.

    وإنْ عُدَّ الثوْب الممزّق أو المهترئ رمزاً للفقر والفاقة؛ فإنه قابل للتأويل بخيارات أخرى متعددة، فقد يكون رمزاً للكدّ والاجتهاد في بعض مواقع العمل الحِرَفي، وقد يُعَدّ رمزاً للرفض الاجتماعي عند جماعات هامشية مثل "البانكس"، أو هو رمز للزهد والتنسّك، أو يُتّخذ رمزاً للعصرنة ومسايرة صيحات الأزياء الجديدة والانخراط في حالة شبابية مستجدة لا تنفكّ عن الجينز الممزّق إلى حدّ التلف أحياناً، أو غير ذلك من الخيارات.

    إنّ الاقتصار على تأويل أحادي لربطة عُنُق أو لثوْب ممزّق أو لستْر شَعر قد ينطوي على قراءة عجولة أو نزعة متحيِّزة أو قد يأتي رضوخاً لهيمنة قوالب نمطية وأحكام مُسبَقة. وقد تطفح النزعة التأويلية بالاستعلاء والغطرسة إن قامت بتنزيل منطقها الخاصّ على اختيارات الآخرين، وهو مسلك مثالي للوَصْم. وفي حالة اختيارات النساء والفتيات المسلمات يأتي وَصم "غطاء الرأس" بالشرور والموبقات بمثابة تهيئة نمطية لإقصائهنّ. هكذا يمارس المجتمع أو النظام العام سلوكَ العزل أو "الحجب" بذريعة درء الانعزال ومكافحة "الحجاب"، وقد يستعمل أدوات دولة القانون وعنف الدولة لفرض ذلك قسراً في أنظمة ديمقراطية تتأهّل فيها الأغلبية لقضم حقوق أقليات موضوعة في بؤرة الملاحظة النقدية والتأويلات المُتحامِلة.

     

    ارتداد المنطق على أصحابه

    لا يلحظ القائلون بأنّ "الحجاب رمز جنسي"؛ أنهم يُوقِعون أنفسهم في مأزق جسيم، لأنّ منطقهم هذا قابل لأن يرتدّ عكسياً على السوق بما تفيض به من أنواع الملابس التي يُمليها مصمِّمو الأزياء "الذكور"، خاصة عندما يستعملون مهاراتهم الحاذقة في تقديم المرأة جسداً مرئياً بصفة صريحة أو إيحائية.

    أمّا القائلون بأنّ تغطية الشعر هي "رمز سلطة ذكورية" أو "رمز اضطهاد واستغلال"؛ فإنّ عليهم اختبار منطقهم هذا مع تقاليد بعض أرباب العمل في إلزام موظّفات الاستقبال في الشركات والمكاتب بارتداء ملابس تحمل شبهة استعراضية أو تمنح مساحات للتلصّص، بذريعة أعراف اللباس أو "دريس كود"، وهو ما تتحاشاه المديرات مثلاً. تطلب بعض الشركات مواصفات شكلية محدّدة من موظفات الاستقبال؛ دون أن تشترط مثلها على عاملات المخازن والنظافة المتواريات عن أنظار الجمهور.

     


    من المألوف أن تفرض تقاليد اللباس المكتبية في بعض الشركات الأوروبية وغيرها على "السكرتيرة"، بصفة غير صريحة غالباً، أن تكون ودودة وأن تأتي إلى المكتب بملابس قصيرة، أو أن يستحسن المدير هذا منها، بينما تنصح التقاليد ذاتها المديرات بأنْ يتحاشيْن ذلك؛ فمن الأفضل ارتداء سراويل رسمية تشي بالجدية والرصانة مع تجنُّبهن إطالة الشعر؛ وهو ما يشير إلى شروط رمزية لتأهّل المديرات لولوج عالم الإدارة الرجالي بمحاكاته. لا اعتراضات مسموعة على إلزام بعض "السكرتيرات" أو موظفات المكاتب بالتنّورة القصيرة مثلاً، ولم يُقَل بوضوح لماذا لا يَطلُب المجتمع المكتبي مثل ذلك من زملائهنّ الذكور أيضاً، حتى من أولئك القائلات: لماذا لا يتم تحجيب الرجال أسوة بالنساء؟

     

    انفصال التأويل عن الرمز

    تتجاهل مقولة "الرمز" أنه لا ينقدح من ذات الشيء أو من صفته وحسب. فمِن فِقْه العلامات أنها مؤهّلة لأن تكتسب دلالاتٍ متعدِّدة تبعاً لما يُسقَط عليها من قراءات ذاتية وشحنات تأويلية؛ وإن تساوقت مع سياقات موضوعية محدّدة وخبرات بشرية. لا تكون العلامات، إذن، مجالاً للفهم وحسب؛ وإنما هي ميدان لسوء الفهم ولإساءة التأويل أيضاً، بما يجعلها ذريعة ملائمة للاشتباك الرمزي والفتك المعنوي بالخصوم.

    وإذ يُزَجّ بحقوق المرأة ذريعةً تقليدية لمقولة أنّ "الحجاب رمز سياسي، ورمز جنسي، ورمز أيديولوجي، ورمز اضطهاد، ورمز سلطوي ذكوري"؛ فإنّ هذه المقولات ذاتها وما يأتي على منوالها تشي بنزعة ازدراء صريحة أو إيحائية بحقِّ نساء وفتيات محسوبات على التستّر، وقد تأتي مشبّعة بتعبيرات تحقير تحطّ من كرامتهنّ الإنسانية أحياناً مع الإيحاء الضمني بأنهنّ غير مرغوب بهنّ. ثم إنّ الخطابات ذاتها تُستعمَل ذريعةً للانتقاص من حقوق النساء والفتيات في اختيارات اللباس، بما يكشف عن منحى ضرب القيمة بذاتها؛ بتوظيف حقوق المرأة للقضم من حقوق المرأة.

     

    متشددو التأويل الرمزي

    إنّ التشدّد في تأويل العلامات على هذا النحو قد يوقع أصحابه في إحراجات شتى بمفعول منطق ساذج تتّكِئ عليه مقولاتهم الأيديولوجية. قيل مثلاً إنّ الحجاب هو "رمز سياسي" أو "رمز إسلاموي"، في مجتمعات تنتصب فيها تماثيل أُريد منها أن تُظهِر الصدّيقة مريم في رداء طهوري سابغ يغطِّي شعرها كاملاً، علاوة على بعض اتجاهات الأزياء "العصرية" في نوافذ العرض التي تقترح تغطية الشعر بقطع قماش حريرية فاخرة. لكن من المحتمل في هذا المقام أن يعبِّر بعضهم عن إسقاط حمولة ثقافية ذاتية متراكمة على آخرين وإن حُسِبوا على سياق آخر؛ فيُفهَم بعض التصعيد نحو المسلمات واختياراتهنّ من اللباس انعكاساً نسبياً للموقف التاريخي المأزوم من الدين في أوروبا ومن مكانة المرأة فيه؛ طبقاً لمضامين "الكتاب المقدس" وسلوك الكهنوت الكنسي وممارسات المجتمعات التقليدية في سالف عهدها نحو النساء.

    وعندما سنّ سدنة القوانين الفرنسية في سنة 2004 قانون "حظر العلامات الدينية الظاهرة"؛ كان واضحاً أنه حِيك بصيغة متذاكية لمنع الفتيات المسلمات من دخول المدرسة بالستر الشرعي. صار على مديري المدارس أن يُشرِفوا على تطبيق القانون بخوض جدل مع التلميذات عن مساحة خصلات الشعر المسموح لهنّ بسترها داخل أسوار المدرسة، وإن كان ذلك يشمل الستر الجزئي لبعض الشعر كما عليه الحال في صيحات أزياء رائجة أم لا. والوجه الآخر لهذا القانون هو حرمان المسلمات من التعليم في المدارس العامة إلاّ بشروط ينبغي أن يرضَخْن لها وهي لا تشمل المدارس الحرّة (الخاصة).

    اتّسعت دائرة الجدل من بعدُ لتصل إلى محاولة حظر الاستلقاء المحتشم على رمال الشاطئ. تدخّل الموظّفون العموميون في الجنوب الفرنسي في صيف 2016 في "مهمة إنقاذ" الفضاء العام من مشهد امرأة جلست على الرمال بلباس البحر المحتشم. كشفت الغارة السلطوية على سيدة "البوركيني" (تسمية ذميمة تقوم على دمج "متناقضيْن" هما البرقع و"البكيني") حالة هوَس متفاقمة تنتقص من ثلاثية "حرية، إخاء، مساواة" المنصوبة في أرجاء الجمهورية. مِن الإنصاف القول إنّ أولئك الموظفين العموميين لم يتصرّفوا في سلوكهم الفجّ هذا بصفة مستقلّة عن التأويلات الذميمة ذاتها التي رسّختها المداولات الثقافية والإعلامية بحق احتشام المسلمات، وتصويره في هيئة "رمز" شكلي كريه.

    لم يرغب القوم في الخروج من صندوق التأويلات التي تدور حول مركزية "الرّمز" وأحادية التأويل. أمَا كان بالوسع، مثلاً، أن يُعَدّ لباس البحر المحتشم فرصة "تمكين للمرأة" من السباحة الحرّة بدل احتجابها عن الفضاء العام واكتفائها بالاستحمام في حوض منزلي ضيِّق إن توفّر أساساً؟ أطلقت هذه الانزلاقات العنان لتعليقات لاذعة كالتي صوّرها كاريكاتير "لوموند" الشهير عن انهماك رجال الشرطة وموظفي الدولة الفرنسية في قياس أبعاد ملابس البحر بالمسطرة، أو الاستنتاج الساخر في بعض النكات بأنّ دولتيْن فقط في العالم تمنعان النساء من الاستلقاء على الشاطئ؛ دولة "داعش" والجمهورية الفرنسية! أو كما قيل.

     

    أسئلة شائكة

    إنّ الرضوخ للتأويلات الرمزية المتحاملة يفتح على أصحابه باباً سيعجزون عن سدِّه. فإن اعتبروا أنّ ارتداء "الحجاب" يتمّ تحت تأثير سلطة معنوية؛ ما يكون قولهم في ارتداء ما سواه بسلطة معنوية واقعة على الفتيات والنساء في دوائر الأسرة والدراسة والعمل مثلاً؟ كيف يستقيم لمعيارهم هذا أن يعمل في نطاقات دون أخرى أو مع حالات دون غيرها؟

    وإن قيل إنّ تغطية الشعر مفروضة بالثقافة المجتمعية؛ ما يكون موقفهم عندما تفرض الثقافة المجتمعية أن تظهر المرأة أو الفتاة حاسرة الشعر؟ وإن زعم القوم أنّ "الحجاب" هو نتاج ثقافة تعبئة وتوجيه؛ فهل يقصدون، بالمنطق ذاته، أنّ ما سواه لا يأتي مدفوعاً بثقافة تعبئة وتوجيه يتضافر فيها السوق مع الصناعة الثقافية والمضامين الإعلامية وبعض التوجيه السياسي والمجتمعي أحياناً؟ وإن اعترض بعضهم على إلزام النساء بالستر بقوانين مفروضة في بلدان معدودة؛ فهل يسري اعتراضهم على إلزام النساء بالتخلِّي عن ذلك بقوانين مفروضة في بلدان أخرى؟ ألم يقع نزع "الحجاب" في تجارب تاريخية معروفة عبر سطوة السلطة السياسية المستبدة، فجاء النزع بهذا علامة اضطهاد لا انعتاق؟ ثمّ إنّ اعتبار تغطية الشعر "رمزاً" قد يقضي ضمناً بأنّ التخلِّي عنه هو رمز من وجه مقابل، فما الذي يجعل الشعر المستتر رمزاً لشيء ما دون الشعر المكشوف؟

    كلّ هذه التساؤلات وغيرها لم تستوقف الذين يستسهلون مطاردة النساء والفتيات بإملاءات ثقافية ومدوّنات سلوك تتذرّع بتأويلات أُحادية يفرضونها على ما يعدّونه رمزاً. يمنح هؤلاء الانطباع بأنّ قطعة قماش مخصوصة هي وحدها "الرمز" دون سواها. لكن؛ هل يقوى أحدهم في مرافعاته الدؤوبة على تحديد ما لا يسعه أن يكون "رمزاً" من خرق القماش الأخرى أو من قطع الملابس في جملتها؟ أليست هذه جميعاً طافحة بمخزونات رمزية قابلة لأن تمنح قراءات متعدِّدة لكل منها؟ ألا يلحظ القوم أنّ تفاصيل ما يُلبَس، صار اليوم وأكثر من أي وقت مضى، مشحوناً برمزيّات ملفّقة بقوّة الدعاية وثقافة الترويج وتَراكُم الصوَر الانطباعية؛ وبعضها لا ينفكّ عن إيحاءات جنسية رمزية أيضاً تستخدم فتيات بمواصفات مخصوصة في مشاهد العرض الاستهلاكي؟

    مَن بوسعه أن يزعم أنّ ساعة اليد في المعصم هي ساعة وحسب؛ أو مجرد أداة لمعرفة مؤشِّر الزمن؟ ولماذا تتزاحم كلّ هذه العلامات والنقوش على ما يرتديه المرء على عاتقه أو يعتمره على رأسه؟ ولماذا اجتمع القوم على رأس المرأة المتستِّرة؛ وأغفلوا نظيرتها التي ترتدي قبّعة تحمل رمزاً تجارياً استهلاكياً أو طبقياً جرى تعظيمه في وعيها مسبقاً لاستدراجها إلى شرائه؟ وكيف بلغ بهم الأمر أن عَدُّوا الستْر المتعفِّف "رمزاً جنسياً" دون اللباس المتكشِّف؛ وإن بدا للعيان فاضحاً؟

    لا يعترف القوم بأنّ إسباغ النعوت التأويلية على ما يُعَد رمزاً؛ قد يمنح مشروعية مقابلة لنعوت مماثلة أو شبيهة قابلة للإسقاط على اختيارات أخرى من اللباس قد تُعَدّ رموزاً لها تأويلاتها، وهو ما سيُدخِل الجدل في سياقات عابثة تخدم مرامي الاستقطاب المتبادل على حساب رؤوس النساء غالباً.

     

    هل هي تأويلات ملزمة؟

    ما ينبغي تأكيده أنّ تأويل الرمزيات ليس مُلزِماً لمن تُنسَب إليهم. فالمصباح الأحمر على باب حانة لا يقضي بأنه إشارة توقّف، وحرف "إكس" لا يقضي دوماً بأنه تعبير عن الإلغاء أو التصفية، وعلامة الهلال ليست محتكرة للمسلمين أساساً. لكنّ البشر يقومون بإعادة تأويل العلامات وشحنها بمعانٍ شتى مُفارِقة لأصل ما كانت عليه؛ لتصير بمقتضى مفهوم جمعيّ جديد أو متجدِّد رموزاً مشبّعة بإيحاءات خاصة في نظامهم الرمزي.

    لكنّ هذا كلّه لا يستوقف الذين يحتكرون لأنفسهم حقّ التأويل كي يُمارِسوا تنكيلهم المعنوي بتستُّر النساء والفتيات المسلمات. قد يُبالِغ البشر في منحى إعادة تعريف الرمز بناء على سردية خاصة بهم، بما يقلب الصليب من أداة تعذيب مُرعِبة إلى رمز مقدّس يوحي بالخلاص والنجاة، وقد يصير رمزاً ثقافياً للزينة أيضاً بقلادات ذهبية لامعة، أو يؤول إلى علامة وطنية تقليدية تفترش أعلاماً ترفرف.

     


    إنّ من يترافعون بالقول إنّ "الحجاب" هو "رمز سياسي، أو أيديولوجي، أو جنسي، أو علامة اضطهاد"؛ إنّما يصدرون في هذا عن مفهومهم الخاصّ المنفصل عن أصل الشيء، أي القطعة القماشية المُختارة، وهو مفهوم ذاتي بالأحرى وليس موضوعياً، وهو لا ينفي مفاهيم ذاتية أخرى قد تتعارض معه أو تتناقض، فتصوُّرهم هذا لا يُطابق المُتصَوَّر. لكنّ هؤلاء يُوقِعون أنفسهم في فخّ يتعطّل عنده تأويلُهم المعهود؛ إنْ أبصروا "الرمز" ذاتَه محمولاً على رؤوس آخرين أو ظاهراً ضمن فئات مغايرة؛ مثل خروج عارضات أزياء بأغطية رؤوس شبيهة إلى منصّة "مشية القطط"، كما عند المصمِّم العالمي مارك جاكوبز بدءاً من سنة 2017 مثلاً، وهو ما أربك القوْم المُتحاملاته الذي وقع فيه من اعتادوا الغمز واللمز بحقّ اللحى الطويلة وحامليها، ثم صاروا اليوم يلوذون بالصمت ويصرفون عيونهم عن الحالة المتفاعلة التي أذِن بها أباطرة تصفيف الشعر وتنسيق الأزياء في القرن الحادي والعشرين، وقد جاوزت في طولها "لحى المشايخ" أيضاً. ومن غرائب الحالة أن يتحامل أحدهم على "لحية الشيخ"؛ وهو يحتفي بفيلسوف أعفى لحيته الكثّة، وهو ما يشي بمنطق انتقائي متناقض مع ذاته له تجلِّيات شتى تُفصِح عن تحيّزات التأويل.

     

    مناورة للتصنيف والنبذ

    إنّ إقحام منطق الرموز وتأويلاتها في تناول اختيارات محدّدة من اللباس ونحوه؛ قد يكون مناورة جسيمة لتصنيف مكوِّنات مجتمعية. اعتاد البشر تصنيف بعض المكوِّنات المجتمعية بعلامات ظاهرة تختارها ذاتياً أو تٌفرَض عليها، ومن ذلك ما فرضه النظام النازي على اليهود من تثبيت النجمة السداسية الصفراء على صدورهم بغرض تصنيفهم ونبذهم. لكنّ الحيلة الأذكى تأتي اليوم بإعادة تأويل الهيئة الظاهرة وشحنها بقراءة رمزية تقضي في مفعولها بالتصنيف والنبذ على نحو ناعم.

    ما جرى تأسيساً على القوْل بأنّ اختيارات النساء والفتيات المسلمات من الملابس هي "رمز سياسي، أو رمز أيديولوجي، أو رمز جنسي، أو رمز اضطهاد، ونحوه"؛ أنْ تدحرجت الحالة إلى متوالية من التشهير والتشويه والتحريض؛ آلت بالتدريج إلى سنّ قوانين وفرض إجراءات في بلدان أوروبية أثقلت كاهل النساء والفتيات المسلمات بأعباء معنوية وقيّدت فرصهنّ في التعليم والعمل وتقلُّد الوظيفة العمومية، وأعاقت تكافؤ الفرص في مجالات الحياة والمواقع الإدارية، وأمعنت في تسطيح الوعي الجمعي.

     

    سطوة معنوية على الرؤوس

    عندما تباشر حمّى الوَصْم الذميم إفراغ تأويلاتها الخاصة على قطع الملابس على هذا النحو؛ فإنها تستعمل سطوة معنوية على مَن يرتدينها. فاللجوء إلى خطاب الرموز والتأويلات هذا لا ينفكّ عن محدِّدات الانتماء وذرائع الإقصاء، أو عن الحاجة الساذجة إلى تحديد خطوط فاصلة بين "نحن، وهُم"، وهي خطوط تقتضي التذرّع برموز تُشحَن بتأويلات خاصّة، ومنها الرايات والأعلام والشعارات الطوْطمية، وأصناف الهيئة واللباس، وطرائق التصرّف النمطية، التي تُتّخذ بذاتها رموزاً معبِّرة عن الانتماء إلى جماعة بشرية معيّنة ومدى الاندماج فيها أو الانعزال عنها.

    بهذا المنحى؛ يأتي تصنيف اختيارات اللباس بتأويلات رمزية مُفتعَلة ليكون حيلةً مثالية لوصم فئات مخصوصة بالمروق من النسَق أو إظهارها دخيلة عليه، وقد يكون النسَق مجتمعاً أو أمّة، أو يُقصَد به فئة أو طبقة، أو يُعنَى به ضمناً نبلاء العصر ومَن يُتصوَّر أنهم أصحاب السموّ الحضاري الذين هم بحاجة إلى تصنيف آخرين في هيئة الأراذل لتأكيد سُمُوِّهم.

    إنّ الحملة على قطعة قماش بخطاب مدجّج بالتأويلات الرمزية الكريهة؛ هي في هذا المقام بمثابة هجمة رمزية على المسلمات والمسلمين عموماً ومحاولة متذاكية لذمّ دينهم وازدراء ثقافاتهم، وإن لم يمتثلوا جميعاً لتعاليم الستر الشرعي. تغترف الخطابات الشعبوية في أوروبا من هذه الاستدعاءات الرمزية لما تجده فيها من فرصة تنكيل معنوية بالمسلمين والمسلمات الأوروبيين، حتى صارت قطع القماش هذه ضمن أولويّات الحملات الانتخابية التي تُراهِن على تأجيج الجماهير وشقّ صفوف المجتمعات لحصد نقاط إضافية يوم الاقتراع. لا يبدو مستغرباً، إذن، أن تلجأ حملات حظر تشييد المآذن في دول وأقاليم أوروبية، إلى رسم صورة امرأة منتقبة في الجداريات الإعلانية، رغم أنّ موضوعها الظاهر يقتصر على أبراج دور العبادة الإسلامية، كما جرى في سويسرا مثلاً سنة 2009.

     

    إنّ استقباح اختيارات معيّنة وتقديمها في هيئة رموز ذميمة هو محاولة ضمنية لتأكيد سمات متحيِّزة في هوية الأمّة أو المجتمع أو الوسط المعني، بما يحدِّد مواصفات الانتماء إليها أو الإقصاء عنها. فالرموز والرمزيات المُتصّورة تُساهِم في تشكيل الوعي بهُويّات الجماعات والأنساق البشرية، وتحقِّق بالتالي حاجة متأصِّلة لتحديد النطاقات، فهي تُعين على تقديم إجابات واقعية أو مُفتعَلة بشأن أسئلة تقليدية من قبيل: مَن نحن؟ ومَن هم؟ وبهذا تحضُر الرموز أو ما تُعدّ رموزاً في مساعي الاستيعاب والإقصاء، عبر الفرز النمطي بين "من هم معنا؛ ومن ليسوا كذلك". وكي نكون "نحن" النبلاء أو أصحاب السموّ؛ ينبغي البحث عن "هم" مخصوصين وإلصاق الصفات الذميمة بحقهم، واحتقارهم رمزياً إن أمكن، لتمكين "ذاتنا الجمعية" من أن تستشعر امتيازها وعلوّها.

    قد تنقلب المعايير رأساً على عقب في هذا المنحى، فيصير الاستعفاف والتطهُّر مبرِّراً للذمّ يُحسَب على "الآخَرين"، وهذا لدى مجتمع يتباهى بالانغماس في الشهوات واستمراء الفواحش، وينعقد هذا الفرز توطئة للإقصاء والعزل، كما في قصّة قوم لوط عليه السلام: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) الأعراف 82.

    هكذا تتيح "الرموز" وتأويلاتُها امتيازَ تحديد النطاقات وخطوط التّماس وربما شقّ الخنادق المجتمعية وحشْد الجبهات الثقافية؛ التي تقوم عادة على تصوّرات يتلبّسها الافتعال وتغترف من القوالب النمطية والأحكام المُسبَقة. قد يتفاقم هذا المنحى بمزيد من التحامل والشحن والتعبئة والتعالي والاحتقار والكراهية والعنصرية، وهو ما تدفع النساء والفتيات المسلمات ضريبته في بعض المجتمعات الأوروبية، فهنّ المُستهدفات قبل الرجال ببعض القوانين والإجراءات الاستثنائية التي تتنزّل على رؤوسهنّ تباعاً؛ زيادة على أنهنّ من أبرز ضحايا اعتداءات الكراهية التي لا تنفكّ عن تأويل رمزي لهنّ يكاد ينزع الصفة الإنسانية وشراكة المواطنة عنهنّ في رؤوس المتعصِّبين.

     

    اختراع "الآخر" ووصمه

    إنّ ما يجري من وصم تأويلي للتستُّر؛ يبقى وثيق الصلة بمنحى اختراع "الآخر" وتعريفه من خلال رموز يُراد منها أن تبقى دالّة عليه بغرض تنميطه وقوْلبته. وعندما يجري في سياقات كهذه خوض صراع ضد هذه "الرموز"؛ فإنه يأتي غالباً بمثابة صراع رمزي مع الجماعة المعنيّة بها؛ وقد تتخلّلها محاولات للفتك المعنوي بالجماعة البشرية إيّاها عبر استهداف رموزها التي هي كناية رمزية عن هذه الجماعة.

    ومن تعبيرات الصراع الرمزي أن يقع وَصم ما يُعَدّ "رمزاً" وتشويهه، مثلاً عبر تأويل رمزيّته بما ينطوي على إساءة أو بصفة تقضي بإقصائه عن الانتماء إلى النسَق الجامع أو حتى المشترك الإنساني، وهو بهذا المعنى إقصاءٌ لمن يرتبطون بـ"الرمز" المعنيّ أو يتمظهرون به.

    ثمّ إنّ الوصم السلبي لمكوِّن معيّن قد يشي بنزعة صراع على المساحة أو الفضاء الرمزي، أو على حامله أو المُعَبِّر عنه بالأحرى، وهو ما يتجلّى في قوانين وإجراءات تحظر الظهور في الأماكن العامّة بملابس مخصوصة ترتبط بالمسلمات أساساً، بمعنى أنّ عليهنّ التواري والاحتجاب إن غطّيْن وجوههن أو سَتَرن شعورهنّ؛ أو إنْ ارتديْن ملابس سباحة محتشمة.

    تشي بعض المزاعم بمنطقها الذاتي الذي تُسقِطه على غيرها، فالإلحاح على مقولة أنّ "الحجاب رمز أيديولوجي، أو سياسي، أو جنسي، أو رمز اضطهاد"؛ إنما هو بالأحرى مقولة أيديولوجية يُزَجّ بها في الاستعمالات السياسية والدعائية والتجاذبات المجتمعية الحادّة، وقد تكون غايتها التنكيل المعنوي بالمسلمات والمسلمين، وممارسة اضطهاد رمزي بحقهم تبدو شواهده شاخصة للناظرين؛ وقد تتذرّع هذه الحملة بالقيم النبيلة والمبادئ السامية، دون أن يفوتها التخندُق في صناديق الاقتراع والتسلّح بأدوات دولة القانون.

    الحجاب رمز جنسي سياسي أيديولوجي

    مقالات