الثلاثاء 13 أبريل 2021 10:03 صـ 1 رمضان 1442هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    إِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ

    رابطة علماء أهل السنة

    مما تميَّز به النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معرفته لطاقات الرجال، ما يناسبهم وما لا يناسبهم، فَيَكِل المهمَّة لمن هُوَ أوْلى بها وأقدر، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وهذا علم يجب أنْ نَقتدي فيه برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونَسير فيه على منهاجه، وإلَّا وقعنا في خطأ جسيم حذر منه النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». (رواه البخاري)
    ولنا في قِصَّة تشريع الأذان عِبرة في التعامل مع الرجال وتَوجيه طاقاتهم.
    فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ». (رواه أبو داود)
    وفي هذه القصَّة دروس وعبر، منها: حمل الهمّ في طريقة جمع النَّاس للصلاة، حتى ظهر هذا الهمّ في المنام، من شدة انشغال التفكير فيه.
    وهذه مرحلة مهمة للمسلمين وهي: حمل الهمّ والتفكير في حلّ المشاكل التي تعرض للأمة. ولمَّا تَصدُق الأُمَّة أوْ فريق منها في حمل همّ العلاج لمشاكلها، فإنَّ الله عز وجل يفتح على قلوبهم سبل العلاج.
    وهذا ما حدث للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فرأى عبدالله بن زيد في المنام رؤيا أرشدته إلى صيغة الأذان، فقام وقصَّها على النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)).
    ولا يَلزم أنْ يأتي الحلّ على يد أفضل النَّاس، فالنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو المُؤيَّد بالوحي لم يُوح إليه بصيغة الأذان، ورآها صحابي جليل دونه في الرتبة ولا شك، ولكن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم على الرُؤيَا بأنَّها حق.
    وقد يفتح الله الحل على قلب أكثر من رجل، فهذا عمر لما سمع الأذان قال: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ».
    ولكنَّ عمر تأخَّر في تبليغ الرُؤيَا التي رآها، فسبقه عبدالله بن زيد، فَحَاز أجر الأذان إلى يوم القيامة. وهذا درس لنا في سرعة المبادرة بطرح ما يفتح الله على قلوبنا من خير لنفع الأُمَّة، وعرضه على العلماء الثِّقات للتَّشاور معهم، ومعرفة مدى موافقة الحل للشريعة الإسلامية من عدمه.
    ولكنَّ الدرس المُهم في هذه الحادثة نتعلمه من قول النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَقُمْ مَعَ بِلالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ)).
    إنَّ الدرس العميق في هذه الفقرة هُوَ إعطاء المهمَّة لمن هُوَ أقدر وأفضل لتنفيذها، وهذا يستلزم عدة أمور، منها:
    • أنَّه لا يَلزم أنْ يُنفِّذ الفكرة من جاء بها، فقد يكون هناك من هُوَ أفضل منه في التنفيذ.
    • أنَّ المُرَبِي بحاجة ماسة إلى معرفة قدرات وصفات ومواهب الرجال من حوله، ليسند لكل واحد منهم ما يلائمه من الأعمال.
    • أنَّ معرفة المُرَبِي لقدرات مَنْ حوله مِنَ الرجال تَستلزم معايشتهم ومخالطتهم والاحتكاك بهم، ولا تكفي اللقاءات العابرة.
    • أنَّ محبة الدَّاعية لمشروع ما، أو عمل ما، لا يلزم منه أنْ يكون هُوَ الأصلح له. فالمحبة للعمل الصالح شيء، وأن تكون أنت المناسب له شيء آخر. وهنا يأتي دور المُرَبِي الكبير الذي يعرف طاقات الرجال ويوجهها للأصلح.
    • إنَّ إيمان عبدالله بن زيد جعله لا يعترض على توصيف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصفات من سينفذ مهمَّة الأذان، وإشعاره بكل وضوح أنَّها غير متوفرة فيه بالقدر الكافي.
    إنَّ هذا المبدأ قد سار عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التعامل مع أصحابه بشكل واضح، فلا يوكل مهمة إلا للرجل المناسب لها.
    وقد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناصحا لأصحابه فيما يطلبونه من مهام وأعمال أو يتطلعون إليها، محبا لهم، يوجههم لما ينفعهم ويناسبهم، لا لما يطلبونه أو يتطلعون إليه.
    ومِنْ أشهر الأمثلة على ذلك ما وقع لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه حيث قال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ». (رواه مسلم)
    إنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقدم بين يدي هذه النصيحة بيان محبته لأبي ذر، حتى لا يوسوس له الشيطان أن هذه النصيحة نابعة لسبب أو لآخر. كما قد يحصل بين الدُّعاة عندما يَنصح بعضهم لبعض، فقد يوسوس لهم الشَّيطان أنَّ هذه النَّصيحة نابعة من غَيْرَة أو حَسد. فلابد من التقديم بين يدي النصيحة ما يشعر المَنْصوح بمحبة النَّاصح له.
    ومرة قال أبو ذر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». (رواه مسلم)
    قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: ((وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ((إنك ضعيف))؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعّين على الأمير من مراعاة مصالح رعيَّته الدنيويَّة والدينيَّة، ووجهُ ضعف أبي ذر عن ذلك أنَّ الغالب عليه كان الزهد واحتقار الدنيا وترك الاحتفال بها، ومَن كان هذا حاله لم يعتن بمصالح الدنيا ولا بأموالها، اللذَين بمراعاتهما تنتظم مصالح الدِّين ويتم أمره. وقد كان أبو ذر أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفتِيَ بتحريم الجمع للمال وإن أُخرِجَت زكاته، وكان يرى أنه الكنز الذي توَعَّد اللَّهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجنوب والظهور، وقد قدّمنا ذلك في كتاب الزكاة، فلما علم النَّبِي صلى الله عليه وسلم منه هذه الحالة نَصَحَهُ ونهاه عن الإمارة وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي)). (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 4/ 21)
    إنَّ تولية المهام بناء على معيار المجاملة، أو إرضاء النَّاس، أو معيار الجماعة والحزب، أو معيار الأقدمية، أو القومية، أو الوطنية، مخالف لهدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولا تأتي مخالفة الهدي النبوي بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة.
    إننا بحاجة إلى ترويض النفس على قول الحق، والنصح للناس بحب، وإسناد الأمر لمن يستحقه، كما إننا بحاجة إلى ترويض النفس على قبول النصح، والانقياد للحق، والابتعاد عن الانتصار للنفس والهوى.

    إِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ

    مقالات