GO MOBILE version!
مقالات أيها (المغامسي) أسأت القول والاستشهاد بحق (خاشجقي)!!

أيها (المغامسي) أسأت القول والاستشهاد بحق (خاشجقي)!!

11 صفر 1440 - أكتوبر 22 2018 - 2:43:36 مـ

الدكتور أكرم كسّاب

أيها (المغامسي) أسأت القول والاستشهاد بحق (خاشجقي)!!


د: أكرم كساب
في سقطة من السقطات الكبرى لأحد دعاة العربية السعودية، غمس (صالح المغامسي) يده في دم المغدور به (جمال خاشجقي)، لكن (المغامسي) هنا سار على خطى المدعو (السديس) لا على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم، فضل وأضل.


ولئن كان الأول (السديس) قد وصف (ولي أمره) و (صاحب نعمته) بـــــ (الملهم المحدث)، فإن (المغامسي) (انغمس) في صفحات التاريخ فقرأ وبحث، وفتش ونقب، وقادته قريحته المتوقدة!! وذاكرته اللاهبة!! وعقله الثاقب!! وفكره الوثاب!! إلى أن يجعل  قتلة (جمال خاشجقي) كــ (خالد بن الوليد) وأن يجعل (ولي أمر القتلة) كــ (أبي بكر الصديق) كما جعل (جمال خاشجقي) كـــ (مالك بن نويرة)!! لقد جعل (المغامسي) من نفسه فقيها أصوليا، يقيس ويختار، لكن ليس لإظهار الحق، وإنما لتبرير قتل الأبرياء، وتبرئة (ولي أمره) الذي من حقه أن يفعل حسبما يرى (المداخلة) و (علماء السلطة) و (فقهاء الشرطة) ما شاء دون رقيب أو حسيب.

 وباختصار أقول:
•    ما الذي يجرّ هؤلاء المشائخ إلى هذا المستنقع الآسن، الذي يجعل منهم نعالا يمتطيها القتلة ودوابا يركبها الظلمة؟ فيكونوا ممن باع دينه بدنيا غيره لا بدنياه! أليس في مقدورهم السكوت، أو الغياب عن الإعلام؟ 


•    قد يقول البعض إنهم مجبرون على ذلك، والسؤال هنا هل يجوز للعالم إذا أجبر أن يبرر قتل الأبرياء؟ ألا يعد هذا مشاركة للظلمة والمستبدين؟ ألا يعد هؤلاء المدّعون للعلم من جنود الطغاة بفتاويهم وأقوالهم، والله يقول: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8].


•    ألا يخشى هؤلاء أن يكونوا ممن وصفهم الله تعالى بــ (الكلبية) حين قال عن بلعام بن باعوراء: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } [الأعراف: 176]، وما حال الحمار منه ببعيد، وقد قال الله عن هذا الصنف: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5].


•    أما بالنسبة لحادثة خالد بن الوليد التي استشهد بها (المغامسي) فأقول وبالله التوفيق:


1.    إن قتل أي امرئ مسلم لا يجوز تبرير فعله مهما كان الفاعل، بل قتل أي إنسان دونما حق يعدّ جريمة نكراء، قال تعالى: {منْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } [المائدة: 32]، بل أكثر من هذا فإن قتل الحيوان من غير منفعة أمر لا يقبله الشرع: جاء في المسند: عَنْ الشَّرِيدَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا، عَجَّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ ".


2.    إن خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه ليس كقتلة (جمال خاشجقي) فإن خالدا رضي الله عنه ما له من السبق في الإسلام، فهو كما روى البخاري " سَيفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ"، وهذا لا يعني أن نبرر له صنيعه إن أخطأ، فليس له عصمة تمنعه من الوقوع في الخطأ....


3.    لخالد بن الوليد رضي الله عنه – وغيره من كبار قادة الإسلام الكبار- أعداء عمدوا إلى تشويه صورته، ليمحوا تاريخ جهاده، وعظيم تضحيته، ومن ذلك ما جاء من كذب أو تدليس في قصة مقتل مالك بن نويرة.


4.    أن خالدا رضي الله عنه كان عنده شبهة تأويل، فقد ذكرت كتب التاريخ أن مالك بن نويرة استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه، وأنه قد امتنع من دفع الزكاة وحبس إبل الصدقة، وهذا ما جعل خالدا يقتله. كما أضاف مالك بن نويرة إلى منع الزكاة ردة ظاهرة حيث كان عونا لسجاح التي ادعت النبوة، بل إن الرجل أعلن صراحة أنه لا يقر بالنبوة، قال صاحب (طبقات فحول الشعراء): (المجتمع عليه أن خالدا حاوره وراده وأن مالكا سمح بالصلاة والتوى بالزكاة، فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا تقبل واحدة دون الأخرى؟! قال: قد كان يقول ذلك صاحبكم! قال: وما تراه لك صاحبا؟! والله لقد هممت أن أضرب عنقك!).


5.    لقد كانت حجة خالد في قتله لمالك بن نويرة قول الصديق لعمر حين حاول ثنيه عن قتال المرتدين: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ".


6.    أنكر بعض الصحابة فعلة خالد، وهذا من عظمة الإسلام وحسن تربيته لأتباعه، فهو لا يريد منهم أن يكون الواحد منهم إمعة، ويبدو أن الاعتراض كان من تناقض موقف مالك بن نويرة، فالرجل كان يقر بركن الصلاة لكنه يمنع الزكاة، بل تذكر بعض الروايات أنه ما كان يصلي. يقول ابن كثير: فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان من مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة- الحرث بن ربعي الأنصاري- أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا... 


7.    وقد  حصل خلاف في تقييم الموقف عند كبار الصحابة كأبي بكر وعمر، أما أبو بكر فلامه وعذره، وأما عمر فغضب غضبا شديدا، يقول ابن حجر في (الإصابة في تمييز الصحابة: وأغلظ عمر لخالد في أمر مالك وأما أبو بكر فعذره...


8.    يبدو أن عمر رضي الله عنه رجع فيما ذهب إليه، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر الهيتمي فقال في كتابه (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة): وأما إنكاره (أي عمر) على أبي بكر كونه لم يقتل خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وهو مسلم... فلا يستلزم ذما له ولا إلحاق نقص به، لأن ذلك إنما هو من إنكار بعض المجتهدين على بعض في الفروع الاجتهادية، وهذا كان شأن السلف، كانوا لا يرون فيه نقصا وإنما يرونه غاية الكمال، على أن الحق عدم قتل خالد لأن مالكا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل أهل الردة وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك.... فالحق ما فعله أبو بكر لا ما اعترض به عليه عمر رضي الله تعالى عنهما، ويؤيد ذلك أن عمر لما أفضت إليه الخلافة لم يتعرض لخالد ولم يعاتبه ولا تنقصه بكلمة في هذا الأمر قط فعلم أنه ظهر له حقيقة ما فعله أبو بكر فرجع عن اعتراضه وإلا لم يتركه عند استقلاله بالأمر لأنه كان أتقى لله من أن يداهن في دين الله أحدا.


9.    لقد اختلف العلماء في ردة مالك، لكن أحدا لم يختلف في إسلام (جمال خاشقجي) بل الكل مقر على حسن خاتمته، فالبرغم من ماضيه المعروف مع أولاد (آل سعود) وعمله كمستشار للعديد من ذوي النفوذ منهم، وما كان منهم من ثورات الربيع العربي، حيث كان مقربا منهم في ذلك الوقت، إلا أن الرجل ضجر من استبداهم وقمعهم للحريات، وسجنهم للأبرياء من الدعاة والمفكرين.


10.    المصيبة الكبرى أن (المغامسي) جعل (ولي عهده) كــ (صديق الأمة)، فهو يعتذر عن (وليه أمره وصاحب نعمته)، ويبرئه من سفك دم بغير حق، وهذا من أعجب ما يكون، فلا هذا الغرّ كأبي بكر، ولا هؤلاء القتلة كخالد، ولا الموقف كموقف حتى يصح القياس، فخالد رضي الله عنه لم يكن لديه من الوسائل ما يتمكن به من التواصل مع أبي بكر، وأبو بكر رضي الله عنه لم يجهز طائرتين لتحلقا في السماء لتصل إلى (مالك بن نويرة).
ليتك أيها (المغامسي) سكت، فإن في السكوت خيرا لك ولغيرك...
وأكاد أجزم الآن: أن  الاعتقال للعديد من الدعاة والعلماء في (السعودية) يعد من أكبر نعم الله عليهم، إذ جنبهم ذلك مجاراة الظلمة، والتبرير للمستبدين.....


د. أكرم كساب

موضوعات متعلقة

موضوعات متعلقة
5360