السيرة النبوية نموذجًا مثاليّا واقعيّا لبناء الحياة
يطلُّ علينا المولد النبوي الشريف في كل عام، فتفيض القلوُب بمحبة رسول الله ﷺ، وتتعطر الألسنة بالصلاة والسلام عليه، وتستعيد المجالسُ شيئًا من سيرته وشمائله ومناقبه، وتظهر صورٌ شتى من الفرح بمولده والاحتفاء بذكراه، وهذه المحبة للنبي ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان، حتى قال ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين”([1]).
غير أن الاحتفاء الأعظم برسول الله ﷺ أعمق من زينة تُعلَّق، وأبقى من حفل ينفضّ، وأوسع من كلمات تُقال ثم تنتهي بانتهاء المناسبة؛ إنه أن نستحضر النموذج النبوي في حياتنا، وأن تتحول المحبة إلى اتباع، والتعظيم إلى اقتداء، والذكرى إلى مراجعة دائمة لمقدار حضور هديه ﷺ في واقعنا، وهذا هو المعنى الذي يربط القرآنُ به صدقَ المحبة نفسها، إذ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
ومن هنا يصبح السؤال في ذكرى مولده ﷺ أكبر من السؤال عن صور الاحتفاء به: أين محمد ﷺ من حياتنا؟ أين أخلاقه من أخلاقنا؟ وأين هديه من بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا ومؤسساتنا؟ وأين سنتُه من طرائق تفكيرنا وتربيتنا ودعوتنا وإصلاحنا وقيادتنا وإدارتنا للاختلاف والأزمات؟ وأين رحمتُه من تعاملنا مع الضعيف والمخطئ والمخالف والخصم؟
لقد كان مولدُه ﷺ ميلادًا لنموذج إنساني فريد؛ أرسله الله رحمة للعالمين فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وامتن به على المؤمنين فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164].
ولم تكن هذه الرحمة فكرة مجردة ولا موعظة منطوقة فحسب، وإنما تجسدت في حياة كاملة: في العبادة والأخلاق، وفي البيت والمسجد، وفي التربية والتعليم، وفي الدعوة والإصلاح، وفي القيادة والقضاء، وفي السلم والحرب، وفي الرضا والغضب، وفي الضعف والتمكين؛ حيث عَبَدَ اللهَ حتى تفطرت قدماه، وعاش بين الناس يشاركهم حياتهم، ويعلم جاهلهم، ويرفق بمخطئهم، ويواسي ضعيفهم، ويشاور أصحابه، ويقود دولتهم، ويواجه عدوهم، ويقيم العدل بينهم؛ حتى كان خلقُه، كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عنه: “كان خُلُقُه القرآن” ([2]).
ومن هنا فإن أجمل احتفاء بمولده ﷺ أن يولد هَدْيُه من جديد في واقعنا؛ لا بمعنى أن سيرته غابت، فهي محفوظة بحفظ هذا الدين، وإنما بمعنى أن تنتقل من الكتب إلى الحياة، ومن المدارسة إلى الممارسة، ومن المجالس إلى واقع الناس، ومن الذاكرة إلى الإرادة والسلوك، وأن يصبح السؤال عن السيرة سؤالًا عن أنفسنا: ماذا بقي في حياتنا من أخلاق محمد ﷺ؟ وكم تحضُر طريقته في التفكير والتربية والقيادة والإصلاح؟ وإلى أي مدى تستطيع أمةٌ تزعم محبتَه أن تجعل من نموذجه ميزانًا تقيس به نفسَها، وتكتشف به مواطن الخلل فيها، وتُعيد على هديه بناءَ إنسانها ومجتمعها وحضارتها؟
السيرة بين المعرفة والتأسّي
حظيت السيرة النبوية عبر القرون بعناية عظيمة، وتعددت طرائق العلماء والباحثين في خدمتها وقراءتها؛ حيث بدأت العناية بجمع أخبارها ومغازيها وتوثيق أحداثها ورواياتها، ثم توالت جهود التحقيق والتمحيص والنقد والموازنة بين الأخبار، وظهرت القراءاتُ الفقهية التي استنبطت الأحكام من الوقائع النبوية، والقراءات الدعوية التي استخرجت من مراحل الدعوة طرائق البلاغ والتغيير، والقراءات التربوية التي بحثت في بناء الإنسان وصناعة الجيل الأول، والقراءات الحركية والتنظيمية التي تأملت إدارة الجماعة وتوزيع الأدوار ومواجهة التحديات، والقراءات السياسية التي درست بناء الدولة والعلاقات والمعاهدات وإدارة الحرب والسلم، فضلًا عن القراءات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وغيرها.
وكل هذه القراءات مشروعة نافعة، وقد كشفت عن ثراء السيرة وقابليتها لأن تمد ميادين متعددة من المعرفة والهداية، وليس المقصود بالقراءة الحضارية أن تلغي شيئًا منها، بل أن تستوعب ثمراتِها ثم تتجاوز بها إلى سؤال أشمل: كيف تتحول السيرةُ النبوية بكليتها إلى نموذج لبناء الحياة؟
فالقرآن لم يقدم النبي ﷺ باعتباره شخصية تاريخية يُكتفى بمعرفة أخبارها، وإنما قدمه أسوةً فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. و “الأسوة” أعمق من المعرفة والإعجاب؛ لأنها تعني أن يُصبح النموذج النبوي مرجعًا للاقتداء والتشكّل والتقويم.
ولهذا لم يجعل القرآن طاعة الرسول ﷺ شأنًا هامشيًّا في الدين، وإنما قرنها بطاعة الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وجعل الرجوع إليه حاكمًا عند التنازع: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. فالنبوة ليست ذكرى تاريخية للأمة، وإنما مرجعية مستمرة لهدايتها.
ومن هنا لا تكفي معرفة أن النبي ﷺ فعل كذا في بدر، وقال كذا في الحديبية، واتخذ كذا يوم فتح مكة؛ وإنما ينبغي أن نكتشف القيمة التي حكمت السلوك، والمقصد الذي وجّه الفعل، والمنهج الذي أدار الإنسان والواقع، ثم ننظر كيف تستعيد هذه القيم والمقاصد والمناهج فاعليتها في حياتنا المعاصرة، مع فقه الفروق بين الأزمنة والأمكنة والأحوال.
وهنا تتجاوز السيرة حدود المعرفة التاريخية إلى فقه التأسّي؛ فنعرف بها كيف ينبغي أن يكون الإنسان في صلته بربه وبنفسه وبأسرته وبمجتمعه وبالعالم من حوله، وكيف تتحول القيم إلى سلوك، والمبادئ إلى مؤسسات، والهداية إلى عمران.
النموذج النبوي: مثالي لأنه واقعي
من أخص خصائص النموذج النبوي أنه يجمع ما قد يبدو لأول وهلة متباعدًا: فهو نموذج مثالي وواقعي في آن واحد.
هو مثالي؛ لأنه النموذج الذي اصطفاه الله ورباه بالوحي وجعله أسوة للناس، وزكّى خُلُقه تزكية لم يمنحها لأحد بمثل هذا الإطلاق فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وهو واقعي؛ لأن هذا الكمال لم يكن نظرية فلسفية عن “الإنسان الكامل»، ولا صورة متخيلة في ذهن مصلح، وإنما حياة بشرية تحققت بالفعل على الأرض. ولهذا أكد القرآن بشرية النبي ﷺ نفسها: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]. فالميزة ليست في خروجه عن الطبيعة البشرية، وإنما في بلوغ هذه الطبيعة، بهداية الوحي وتوفيق الله، أرفع ما يمكن أن تبلغه من عبودية وأخلاق وعمران.
لقد جاع ﷺ وشبع، وفرح وحزن، وصح ومرض، وأحب وفقد، وأوذي وانتصر، وهاجر واستقر، وعاش الضعف والقوة، وأدار الجماعة الصغيرة والدولة الناشئة، وتعامل مع المؤمن والمنافق والمشرك والكتابي، ومع الصديق والخصم، ومع المخلص والمخطئ، ومع أوقات السعة والشدة، وكان يقول: “إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون”([3]).
ولهذا كانت سيرته نموذجًا للحياة لا نموذجًا خارج الحياة؛ نموذجًا يمكن للإنسان أن يقترب منه ويقتدي به بحسب طاقته ومقامه ومسؤوليته.
وتلك حقيقة بالغة الأهمية؛ لأن بعض النماذج الأخلاقية تبدو جميلة ما دامت في الكتب، فإذا نزلت إلى تعقيد الواقع عجزت عن البقاء، أما النموذج النبوي فقد اختُبر في الواقع نفسه: اختُبرت الرحمة مع الضعفاء ومع الأعداء، واختُبر العدل عند القوة، واختُبر الصبر تحت الاضطهاد، واختُبرت الشورى في لحظات القرار المصيري، واختُبرت الأخلاق في الحرب والسلم، واختُبر العفو ساعة القدرة. ويكفي في بيان هذا المنهج قوله ﷺ: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله” ([4])، وقوله ﷺ: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه” ([5]).
وهنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته القراءة الحضارية للسيرة النبوية.
والمقصود بها: قراءة تستخرج من حياة النبي ﷺ منظومة القيم والمقاصد والسنن والمناهج والنماذج العملية، وتُعيد تشغيلها في بناء الإنسان والعمران والمؤسسات والعلاقات، بما يجعل الهدي النبوي مرجعيةً للتقويم والتوجيه والإصلاح في الواقع المتجدد.
فالحضارة ليست المباني والتقنيات ومظاهر القوة المادية وحدها؛ بل هي قبل ذلك بناء الإنسان الذي يصنع العمران، وبناء القيم التي تضبط القوة، وبناء العلاقات التي تحقق العدل والرحمة، وبناء المؤسسات التي تحول المبادئ إلى واقع مستقر، ومن هذه الزاوية تصبح السيرة منجمًا هائلًا للفعل الحضاري؛ لأنها تقدم الإنسان الذي بناه الوحي، والجماعة التي صنعتها الأخوة، والمجتمع الذي ضبطته القيم، والقيادة التي حكمتها الشورى والأمانة، والقوة التي قيدها العدل، والعمران الذي اتصل فيه صلاح الدنيا بمقصد الآخرة.
السيرة التي تقرؤنا
اعتدنا أن نكون نحن القارئين للسيرة؛ نفتح كتبها، ونتتبع أحداثها، ونحلل مواقفها، ونستخرج منها الدروس والعبر، لكن القراءة الحضارية تضيف إلى ذلك حركة أخرى أشد عمقًا: أن نجعل السيرة نفسها تقرؤنا.
أي أن نقف أمام النموذج النبوي ثم نعرض عليه واقعنا، نعرض عليه أخلاقنا، فنتذكر قوله ﷺ: “إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا”([6]). ونعرض عليه أسرنا، فنسمع قوله ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”([7]). ونعرض عليه تعليمنا ودعوتنا، فنستحضر قوله ﷺ: “يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا”([8]). ونعرض عليه علاقاتنا بالناس، فنتذكر قوله ﷺ: “من لا يرحم الناس لا يرحمه الله”([9]).
ثم نعرض عليه مؤسساتنا وقياداتنا وممارساتنا للقوة، ونضع أمامها أمر الله تعالى لنبيه ﷺ نفسه: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. ونعرض عليه خلافاتنا وخصوماتنا، فنضعها أمام ميزان القرآن: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
عندئذ لا تعود السيرة مادة نمدح بها الماضي، وإنما تصبح مرآةً نرى فيها الحاضر، وميزانًا نقيس به أنفسنا.
وهذا التحول شديدُ الأهمية؛ لأن الأمم لا تنهض بكثرة ما تعرفه عن نماذجها المؤسسة، وإنما بمقدار ما تستطيع تحويل هذه النماذج إلى قيم حاكمة لسلوكها، وقد نعرف عن النبي ﷺ آلاف الروايات والتفاصيل، ونحفظ أبوابًا من شمائله وخصائصه، ثم تبقى المسافة واسعة بين هذه المعرفة وبين أخلاقنا ومؤسساتنا وقراراتنا، ومشكلة كهذه لا تعالج بإضافة معلومات جديدة عن السيرة فحسب، وإنما بإعادة بناء وظيفة السيرة في الوعي المسلم.
ومن هنا تنشأ فكرة يمكن أن نسميها "المسافة النبوية": أي المسافة الفاصلة بين النموذج الذي تكشفه السيرة وبين الواقع الذي نعيشه.
إنها المسافة بين قوله ﷺ: “خيركم خيركم لأهله” وبين واقع بعض أسرنا؛ وبين قوله: “يسِّروا ولا تعسِّروا” وبين بعض خطابنا الدعوي والتربوي؛ وبين قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وبين بعض مؤسساتنا وقياداتنا؛ وبين قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وبين إدارتنا للخلاف والخصومة؛ وبين وصف الله لنبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وبين مقدار الرحمة التي يجدها الناس في خطابنا وسلوكنا ومؤسساتنا.
وكل مشروع حقيقي لاستحضار السيرة ينبغي أن يكتشف هذه المسافة أولًا، ثم يعمل على تضييقها: في الفرد والأسرة، وفي المدرسة والجامعة، وفي المسجد والمؤسسة، وفي الدعوة والإعلام، وفي القيادة والسياسة، وفي الاقتصاد والاجتماع.
فالقراءة الحضارية لا تريد أن تنقل تفاصيل القرن الأول الهجري إلى القرن الخامس عشر نقلًا آليًّا، ولا أن تحول كل واقعة تاريخية إلى وصفة جاهزة؛ وإنما تريد أن تستخرج الثابت النبوي القادر على توجيه المتغير الإنساني: فتفهم القيمة وراء الموقف، والمقصد وراء التصرف، والسنة وراء الحدث، والمنهج وراء القرار، ثم تستنطق ذلك كله في مواجهة أسئلة عصر جديد.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب والأكثر عملية: كيف نفعل ذلك؟
كيف يتحول الصدقُ النبوي إلى قيمة حاكمة للعلم والإعلام؟ وكيف تتحول الرحمة النبوية إلى منهج في التربية والدعوة؟ وكيف تتحول الشورى إلى ثقافة للمؤسسات والقيادات؟ وكيف يتحول عدله ﷺ إلى معيار لممارسة القوة والسلطة؟ وكيف يتحول هديُه في اكتشاف الطاقات وتوزيع الأدوار إلى منهج في بناء المجموعات والمؤسسات؟ وكيف تستعيد الأسرة والتعليم والإصلاح والدعوة والسياسة والعلاقات الإنسانية نصيبها من النموذج النبوي؟
تلك هي الخطوة التي تنقل القراءة الحضارية للسيرة من الفكرة إلى الفعل، وتجعل من محبة النبي ﷺ قوةً لبناء الإنسان، ومن الاقتداء به منهجًا لإصلاح الواقع، ومن سيرته نموذجًا حيًّا لبناء الحياة.
السيرة نموذج تشغيلي لبناء الحياة
إذا كانت القراءة الحضارية للسيرة تستخرج من حياة النبي ﷺ القيم والمقاصد والمناهج والسنن، وتقيس بها واقعنا وتكتشف “المسافة النبوية” بين ما نحن عليه وما ينبغي أن نكون عليه؛ فإنها لا تبلغ غايتها حتى تخطو الخطوة الأهم: تحويل النموذج النبوي إلى نموذج تشغيلي للحياة.
والمقصود بالنموذج التشغيلي ألا تبقى الرحمة والعدل والشورى والرفق والأمانة والإحسان كلمات نرددها عند الحديث عن شمائل النبي ﷺ، وإنما تتحول إلى معايير وإجراءات وممارسات تحكم الحياة اليومية؛ فالرحمة ينبغي أن يكون لها أثر في طريقة التعليم والتربية والدعوة والإدارة، والشورى ينبغي أن تظهر في صناعة القرار، والعدل ينبغي أن يحكم توزيع الحقوق والواجبات، والأمانة ينبغي أن تضبط الوظائف والأموال والمسؤوليات، والإحسان ينبغي أن يصبح معيارًا لجودة العمل؛ وقد قال ﷺ: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء” ([10]).
ومن هنا فإن استحضار النبي ﷺ في حياتنا ليس محاكاة شكلية لبعض تفاصيل عصره، وإنما استحضار لهديه وسنته ومنهجه وقيمه ومقاصده في واقع عصرنا؛ فالأسوة التي أمرنا الله بها في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] ليست حبسًا للحياة في زمن النبوة، وإنما إبقاء لهداية النبوة حاكمة على حركة الحياة في كل زمن.
هذا يقتضي أن نقرأ السيرة على مستويين متكاملين: مستوى الاقتداء المباشر فيما شرعه لنا النبي ﷺ من الأقوال والأفعال والهدي والأخلاق، ومستوى الاستلهام المنهجي والحضاري الذي نكتشف فيه كيف كان يبني الإنسان، ويدير العلاقات، ويواجه الأزمات، ويصنع القيادات، ويقيم المجتمع، ويوجه القوة، ثم نسأل عن الصور المعاصرة التي يمكن أن تتجسد فيها هذه المعاني.
الإنسان أول العمران
كان الإنسان هو نقطة البداية في المشروع النبوي. فقبل أن تقوم الدولة، وتتسع الفتوحات، وتتشكل المؤسسات، كان هناك إنسان يُبنى؛ قلب يتصل بالله، وعقل يتحرر من الخرافة والتقليد، وضمير يتربى على مراقبة الله، وإرادة تتعلم الصبر والثبات، وخلق يرتقي بالصدق والأمانة والعفة والرحمة.
وهذه ليست قراءة نستنبطها من السيرة فحسب، بل يقررها القرآن في تحديد وظائف البعثة نفسها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. فالتلاوة والتعليم والتزكية كانت أدوات بناء ذلك الإنسان الذي سيحمل بعد ذلك أعباء الرسالة والعمران.
ومن أخطر ما يمكن أن نتعلمه هنا أن الحضارة لا تبدأ بالمؤسسات وإنما بالإنسان الذي يدير المؤسسات؛ ولا تبدأ بالقوانين وحدها وإنما بالضمير الذي يحترم القانون في غياب الرقيب؛ ولا تبدأ بكثرة المتعلمين وإنما بنوعية الإنسان الذي يصنعه التعليم.
ولهذا فإن أول سؤال حضاري تطرحه السيرة على مدارسنا وجامعاتنا ومساجدنا ومؤسساتنا التربوية ليس: كم شخصًا علّمتم؟ وإنما: أي إنسان صنعتم؟
هل صنعنا إنسانًا يجمع بين العلم والخلق، وبين العبادة والعمل، وبين القوة والرحمة، وبين الاعتزاز بدينه والانفتاح الواعي على العالم؟ وهل صنعت جامعاتنا متخصصًا ناجحًا فحسب، أم صنعت كذلك إنسانًا أمينًا مسؤولًا؟ وهل صنعت الدعوة أتباعًا كثيرين، أم بنت شخصياتٍ حرةً واعية ربانية تحمل الرسالة ولا تتحول إلى عبء عليها؟
لقد كان ﷺ يبني الإنسان قبل أن يستثمر طاقته، ويزكيه قبل أن يكلفه، ويربي ضميره قبل أن يمنحه المسؤولية، وهنا يكمن واحد من أعظم أسرار البناء الحضاري النبوي.
الأسرة: الاختبار الأول للأخلاق
ولا يمكن أن نتحدث عن استحضار النموذج النبوي في الحياة بينما يبقى النبي ﷺ غائبًا عن بيوتنا؛ فالبيت هو المجال الذي تسقط فيه الأقنعة الاجتماعية، وتظهر فيه حقيقة الأخلاق؛ ولهذا جاء المعيار النبوي بالغ الدلالة: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” ([11]).
إنه معيار يعيد تعريف “الخيرية” نفسها، فليس خير الناس بالضرورة من يبدو لطيفًا أمام الجمهور، ولا من يحسن الحديث عن الأخلاق، وإنما من تستطيع أسرته أن تشهد له بحسن العشرة والرفق والوفاء.
وحين نقرأ حياة النبي ﷺ داخل بيته نجد الزوج الذي يسمع ويحاور ويلاطف، والأب الذي يحب ويرحم، والجد الذي يحمل أحفاده ويحنو عليهم، والإنسان الذي يكون في مهنة أهله ويشاركهم تفاصيل حياتهم، وبذلك تصبح السيرة المنزلية للنبي ﷺ مرجعية لإعادة بناء الأسرة المسلمة؛ بحيث لا يكون التدينُ ذريعةً للغلظة، ولا القوامة بابًا للاستبداد، ولا التربية اسمًا للعنف والإهانة، وإنما تقوم الأسرة على المودة والرحمة والمسؤولية والحقوق المتبادلة.
وهنا تظهر “المسافة النبوية” بوضوح: فكلما كثر حديثنا عن النبي ﷺ ثم قل نصيب بيوتنا من رفقه وحلمه ورحمته، اتسعت المسافة بين المحبة المدعاة والاقتداء المتحقق.
التربية والتعليم: صناعة الإنسان لا ملء الذاكرة
وفي مجال التعليم تقدم السيرة نموذجًا شديد الثراء؛ حيث لم يكن النبي ﷺ ملقنًا للمعلومات، وإنما كان معلّمًا للإنسان؛ يسأل ليحرك التفكير، ويضرب المثل ليقرب المعنى، ويكرر ليؤكد المهم، ويختار الوقت المناسب، ويراعي حال المخاطب، ويصحح الخطأ دون أن يحطم صاحبه، ومن أجمل ما يلخص روحه التربوية قوله ﷺ: “يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا” ([12]).
وليس التيسير هنا إلغاء للعلم ولا تمييعًا للتكاليف، وإنما هو فقه لطبيعة الإنسان وطريق بنائه؛ ولذلك فإن القراءة الحضارية للسيرة تجعلنا نسأل: ماذا لو أعدنا تقويم نظمنا التعليمية في ضوء التعليم النبوي؟ ماذا لو أصبح معيار نجاح المعلم ليس مقدار ما أودعه في ذاكرة الطالب فحسب، وإنما مقدار ما أيقظه في عقله وبناه في شخصيته وغرسه في ضميره؟ عندها تنتقل السنة النبوية من درس في مقرر التربية الإسلامية إلى فلسفة للتعليم نفسه.
الدعوة والإصلاح: الرحمة قبل الانتصار للنفس
والنبي ﷺ الذي بعثه الله ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] لا يمكن أن يُستحضر في دعوة يغيب عنها الرفق بالناس، ولا في إصلاح يزدري المخطئين، ولا في خطاب يجعل الانتصار على الخصم أهم من هدايته.
لقد قال الله لنبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. والعجيب أن الآية تتحدث إلى أعظم قائد وأطهر جماعة، ومع ذلك تجعل لين القيادة شرطًا لبقاء الجماعة حولها.
وهذا قانون حضاري يتجاوز الموقف التاريخي: تستطيع الفكرة أن تكون صحيحة، وصاحبها مخلصًا، وأهدافه نبيلة، ثم يفشل مشروعه لأن الطريقة التي يحمل بها الحق تنفر الناس منه.
ومن هنا ينبغي أن تدخل السيرةُ في تقويم خطابنا الدعوي والإصلاحي: مقدار الحكمة فيه، وقدر الرحمة بالمخالف، والتمييز بين الخطأ وصاحبه، وفقه الأولويات، ومراعاة المآلات، والتدرج في الإصلاح، والقدرة على الجمع بين الثبات على المبدأ والمرونة في الوسيلة.
القيادة والمؤسسات: الأخلاق تتحول إلى نظام
ولعل هذا من أكثر المجالات احتياجًا إلى القراءة الحضارية للسيرة؛ لأننا كثيرًا ما نختزل أخلاق النبي ﷺ في الفضائل الفردية، مع أن السيرة تكشف كيف تتحول الأخلاق إلى ثقافة مؤسسية ونظام لإدارة الناس.
لقد كان ﷺ نبيًّا مؤيدًا بالوحي، ومع ذلك أمره الله بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]. فإذا كان من يأتيه الوحي مأمورًا بالشورى، فكيف بمن دونه من القادة والمديرين والمسؤولين؟
لم تكن الشورى ضعفًا في القيادة، وإنما كانت جزءًا من قوتها؛ لأنها تُشرك العقول، وتحفظ كرامة الجماعة، وتربيها على المسؤولية، وتمنع القرار من الارتهان لرؤية فرد واحد.
كما تكشف السيرة عن براعة نبوية في اكتشاف الطاقات ووضع الأشخاص في مواضعهم، فلم يكن الصحابة نسخًا متكررة؛ لهذا بقي أبو بكر أبا بكر، وعمرُ عمرَ، وخالدٌ خالدًا، وزيدٌ زيدًا، ومعاذ معاذًا رضي الله عنهم جميعًا؛ فلم يُلْغِ البناءُ النبوي الخصائصَ الفردية، وإنما هذبها ووجّهها ووظفها في خدمة الرسالة.
وهذه قيمة حضارية كبرى لمؤسساتنا اليوم: فالمؤسسة الناجحة ليست التي يصنع رئيسُها نسخًا من نفسه، وإنما التي تكتشف التنوع، وتحسن توزيع الأدوار، وتطلق الطاقات، وتربط المسؤولية بالكفاءة والأمانة.
القوة في ميزان النبوة
ومن أعظم اختبارات الأخلاق اختبارها عند امتلاك القوة؛ إذ يَسْهُلُ على الضعيف أن يتحدث عن التسامح حين لا يملك الانتقام، لكن قيمة الأخلاق تظهر حين يستطيع الإنسانُ أن يفعل ثم يختار ما يُرضي الله تعالى.
والسيرة حافلة بهذا المعنى؛ ولذلك لا يمكن أن نفهم الرحمة النبوية باعتبارها ضعفًا، كما لا يمكن أن نفهم القوة النبوية باعتبارها بطشًا، لقد اجتمع في النموذج النبوي الحزمُ والرحمة، والقوةُ والعدل، والثبات والعفو، وكل قيمة منها تعمل في موضعها.
ووضع القرآن قاعدة تتجاوز كل ظرف سياسي وعسكري فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فالعدالة في المنظور النبوي ليست مكافأة نعطيها لمن نحب، وإنما واجب نؤديه حتى لمن نبغض.
وهذا من أرقى ما يمكن أن تقدمه السيرة للعالم المعاصر: أخلاق لا تعمل فقط في العلاقات الهادئة، وإنما تبقى حاكمة في النزاع والخصومة والحرب، وقوة لا تتحرر من الأخلاق عندما تتمكن.
العمران النبوي: القيم التي تصنع المجتمع
ولم يقف المشروع النبوي عند بناء الفرد، وإنما انتقل بالإنسان المزكى إلى بناء المجتمع والعمران؛ ففي المدينة بنى النبي ﷺ المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ونظم العلاقات بين مكونات المجتمع، وأقام السوق، وعقد المعاهدات، وبنى منظومة للتكافل والمسؤولية والدفاع، وهنا نكتشف أن السيرة لا تقدم “متدينًا صالحًا” فحسب، وإنما تقدم إنسانًا صالحًا قادرًا على صناعة مجتمع صالح.
وهذا فارق جوهري؛ لأن التدين الذي لا يترك أثرًا في عدالة السوق، ونزاهة الإدارة، ورعاية الضعفاء، وجودة التعليم، وحفظ الحقوق، وإتقان العمل، ومتانة العلاقات الاجتماعية، يظل تدينًا ناقص الأثر الحضاري.
فالعبادة في النموذج النبوي لا تنفصل عن العمران، والتزكية لا تنفصل عن المسؤولية، والإيمان لا يعفي من الإتقان، بل يضاعف مقتضاه، ومن هنا يصبح قوله ﷺ: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء” قاعدة واسعة في بناء الحياة: إحسان في العبادة، وإحسان في العلم، وإحسان في الإدارة، وإحسان في الصناعة، وإحسان في العلاقات، وإحسان في كل ما يُستخلف الإنسان فيه([13]).
استحضار السيرة مسؤولية لا شعار
وهنا نعود إلى “المسافة النبوية” التي تحدثنا عنها؛ فالغاية من اكتشافها ليست جلد الذات ولا إقامة محكمة دائمة للناس، وإنما تحويل الفجوة إلى برنامج إصلاح.
نحدد النموذج النبوي في المجال الذي نريد إصلاحه، ثم نشخص واقعنا كما هو، ثم نقيس "المسافة" بين الواقع والنموذج، ثم نبحث عن أسبابها، ثم نبني الخطوات التي تقرّبنا منه.
وهكذا يمكن أن تصبح السيرة أداة عمل: ما النموذج النبوي؟ ما واقعنا؟ أين الفجوة؟ لماذا نشأت؟ وكيف نردمها؟
بهذه الأسئلة نستطيع أن نقرأ الأسرة والتعليم والدعوة والإعلام والمؤسسة والقيادة والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية قراءة نبوية حضارية، ولن يعني ذلك أن نستخرج من السيرة حلًّا تفصيليًّا جاهزًا لكل مشكلة مستحدثة؛ فذلك تحميل للسيرة ما لا تحتمل، وإنما يعني أن نستخرج منها البوصلة التي تضبط اتجاه الحل: قيمه، ومقاصده، وأخلاقه، وضوابطه، وروحه.
وهذا هو الفرق بين من يستدعي السيرة لتزيين خطاب سبق أن قرره، وبين من يحتكم إليها فعلًا ولو اضطرته إلى مراجعة خطابه وممارساته ومصالحه.
الاحتفاء الذي يليق بصاحب المولد ﷺ
وعند هذا المعنى نعود إلى المولد النبوي الشريف .. إن أجمل ما نقدمه لرسول الله ﷺ في ذكرى مولده ليس أن نُكثر الحديث عنه يومًا ثم نعود بقية العام إلى حياة لا يظهر فيها أثر هديه، وليس أعظم الاحتفاء به أن تزدحم الشوارع بالزينة بينما تخلو المعاملاتُ من الصدق، أو تمتلئ المجالس بالمدائح بينما تفتقد البيوت الرفق، أو ترفع المؤسسات اسمه بينما تغيب عنها الشورى والعدل والأمانة.
إن الاحتفاء الحقيقي بالنبي ﷺ أن تظهر نبوته فينا: هديًا وأخلاقًا وسلوكًا وعمرانًا، أن يراه أبناؤنا في رحمة آبائهم وأمهاتهم، ويراه الطلاب في أخلاق معلميهم، ويراه الناس في صدق علمائهم ودعاتهم، ويراه العاملون في عدل مسؤوليهم، ويراه الضعفاء في إنصاف الأقوياء لهم، ويراه المخالف في عدلنا معه، ويراه المجتمع في أمانة مؤسساته، ويراه العالم في أمة تحمل الرحمة ولا تتخلى عن الحق، وتملك القوة ولا تتخلى عن الأخلاق.
إن سؤال المولد الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد انقضاء المناسبة ليس: كم مرة تحدثنا عن رسول الله ﷺ؟ وإنما: كم من رسول الله ﷺ بقي حاضرًا في حياتنا؟
كم من صدقه في أقوالنا؟ وكم من أمانته في أعمالنا؟ وكم من رحمته في علاقاتنا؟ وكم من عدله في خصوماتنا؟ وكم من شوراه في مؤسساتنا؟ وكم من حكمته في دعوتنا؟ وكم من صبره في طريق إصلاحنا؟ وكم من عبوديته في قلوبنا؟
لقد وصفه ربه سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وأمرنا باتباعه، وجعله لنا أسوة حسنة. فلا يليق بأمة محمد ﷺ أن تجعل أعظم نموذج عرفته البشرية موضوعًا للذاكرة ولا مرجعًا للحياة.
إن السيرة النبوية ليست قصة أمة مضت، بل طاقة هداية لأمة باقية؛ وليست سجلًّا لأحداث اكتملت، بل يجب أن تبقى نموذجًا مثاليًّا واقعيًّا قادرًا على أن يهدي الإنسان في كل عصر إلى ما ينبغي أن يكون عليه، وكلما استطاعت الأمة أن تُضَيق المسافة بين حياتها وحياة نبيها، وبين أخلاقها وأخلاقه، وبين مؤسساتها وقيمه، كانت أكثر وفاءً لرسالته، وأقدر على استعادة دورها في العالم.
وعندئذ يكون الاحتفاء بالمولد النبوي أكبر من ذكرى ميلاد رجل عظيم؛ إنه تجديد للعهد مع النبوة، واستعادة لميزانها في الحياة، وإحياء لهديها في الإنسان والعمران؛ فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والأسوة الحسنة، وعلى آله وصحبه أجمعين.
([1])رواه البخاري ومسلم.
([2])رواه مسلم.
([3])رواه البخاري ومسلم.
([4])رواه البخاري ومسلم.
([5])رواه مسلم.
([6])رواه البخاري ومسلم.
([7])رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
([8])رواه البخاري ومسلم.
([9])رواه البخاري ومسلم.
([10]) رواه مسلم.
([11])رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
([12])رواه البخاري ومسلم.
([13]) الحديث رواه مسلم في صحيحه.

