السبت 18 يوليو 2026 02:31 مـ 2 صفر 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    ما أوسع السجن... وما أضيق القلوب

    رابطة علماء أهل السنة

    في عمق الظلمة التي ارادوها مقبرة للأجساد، تولد ملاحم الأرواح التي لا تقهر؛ فالمعتقلون في شرعة الحق ليسوا أسماء تطحنها الأيام خلف السدود، ولا أرقاما منسية في قعر الذهول، إنهم سر الثبات، وآيات الهدى في زمن التيه.

    لقد سبك البلاء نفوسهم حتى صار الانين تسبيحا، وأثمر قيدهم حرية داخلية تعجز أمم الارض عن شرائها بالذهب.
    فمن عتمة محابسهم يشرق النور، ومن صمتهم الطويل تولد خطب البلاغة، ليكونوا هم الأحرار حقا، والكون من دونهم رهين الغفلة.
    يذوقون في الأقبية والزنازين ألوانًا من البلاء تعجز الكلمات عن حملها؛ قسوةُ السجان، ووحشةُ العزلة، وثقلُ القيود، وحرمانُ الأهل، وتعطيلُ الأعمار، ومع ذلك، فإذا أُذن لهم أن تطل وجوههم على الناس، خرجوا بوجوهٍ يكسوها الرضا، وابتساماتٍ يخفون بها وجعهم، حتى ليخيَّل إلى الرائي أنهم هم الذين يواسون الأحرار، لا أن الأحرار هم الذين يواسونهم.. يبتسمون لئلا نحزن، ويثبتون لئلا نضعف، ويتعانقون داخل الأقفاص حتى لا تتمزق القلوب خارجها.
    وما أشد المفارقة! ففي الوقت الذي يجتهدون فيه في بث الطمأنينة في نفوس إخوانهم، ينشغل بعض من هم خارج الأسوار بتغذية الخلافات، وإحياء الخصومات، وإشاعة ما يثقل قلوبهم، ويكسر خواطرهم، ويمنح أعداءهم مادةً للشماتة، أفلا يكون أول الوفاء لهم أن نجتمع إذا تفرّقنا، ونتغافر إذا اختلفنا، ونجعل وحدتنا هديةً تصل إليهم خلف الجدران؟
    إنهم يتجرعون مرارة الأيام، فإذا سنحت لهم لحظة ظهور، أشرقوا بالأمل، كأنهم يريدون أن يقولوا للأمة: لا تيأسوا؛ فإن وراء الليل فجرًا، وإن مع العسر يسرًا، بينما يصر بعض الناس على أن يكون رسولًا لليأس، وساعيَ بريدٍ للقنوط، يضاعف الجراح بكلمة، ويثقل القلوب بموقف، وينسى أن المحنة لا تحتاج إلى من يزيدها، بل إلى من يخففها، فهؤلاء علمونا أن الأمل ليس انفعالًا عابرًا، بل عبادةٌ يقيمها المؤمن في وجه الشدائد، وثقةٌ لا تنقطع بوعد الله.
    إنهم يحرمون من كثيرٍ من ضروريات الحياة، ثم إذا وقفوا أمام الناس أصلحوا هيئاتهم، وأخفوا آثار العناء، ورسموا على الوجوه ابتسامةً كريمة؛ حتى لا يشمت عدو، ولا ينكسر حبيب، وكأنهم يقولون بأحوالهم: لا تمنحوا خصوم الحق لذة رؤية الانكسار، فكم نحن بحاجة إلى أن نتعلم منهم كيف تُصان الكرامة في زمن المحن، وكيف يبقى الوقار حيًا وإن أثقلته القيود.
    لم تستطع السجون أن تنتزع من قلوبهم ما آمنوا به، ولا أن تساومهم على ما حملوه من مبادئ. فإذا أتيحت لهم لحظة خاطفة، رفعوا بإشاراتهم ما يعجز عنه كثير من الخطباء بخطبهم؛ يعلنون أن الفكرة قد تُحاصر، ولكنها لا تُهزم، وأن الجسد قد يُقيد، ولكن الروح إذا تعلقت بالله بقيت أوسع من كل السجون.
    لقد دفعوا أثمانًا باهظة من أعمارهم، وأموالهم، وأسرهم، وتحملوا من أجل ما اعتقدوه حقًا ما تنوء بحمله الجبال، وأقل ما يليق بمن بقي خارج الأسوار ألا يجعل اختلافاته الخاصة فوق آلامهم، ولا مصالحه الضيقة فوق قضيتهم، ولا نزاعاته الشخصية سببًا في إطالة محنتهم أو إضعاف أثر تضحياتهم.
    ليس من الوفاء أن نغرق في الحديث عن صمودهم حتى ننسى حقوقهم؛ فإن ما يفيض الله به عليهم من سكينة وثبات فضلٌ منه سبحانه، أما نحن فلنا واجبات لا يسقطها إعجابنا بصبرهم.
    من حقهم علينا أن نجعل وحدتنا عزاءً لهم، وأن يكون سعينا في خلاصهم عملًا دائمًا لا حماسًا موسميًا، وأن نبقي قضيتهم حيةً في الضمائر، حاضرةً في الوعي، وألا نسمح للنسيان أن يبتلع أسماءهم أو تضحياتهم.
    ومن حقهم علينا أن نخلفهم في أهلهم خيرًا؛ فنرعى أسرهم، ونحفظ أبناءهم، ونسد حاجاتهم، ونواسي مريضهم، ونكفل محتاجهم، ونحيطهم بما نستطيع من عنايةٍ وبر، حتى يعود الغائب فيجد أن الأمة لم تخذله في غيبته، ولم تترك أهله نهبًا للحاجة أو الوحشة.
    فإن عجز أحدنا عن حمل شيءٍ من هذا الواجب، فليحذر أن يكون عبئًا جديدًا عليهم؛ فليسكت عن كل ما يؤذيهم، وليكفَّ عن كل ما يفرق الصف، وليحفظ لسانه من خبرٍ يوجعهم، وقلمه من كلمةٍ تضعفهم، وموقفه من فعلٍ يشمت بهم خصومهم.
    فإن لم تستطع أن تكون لهم سندًا، فلا تكن عليهم حملًا، وإن لم تملك أن تفتح لهم بابًا من الخير، فلا تفتح عليهم بابًا من الأذى؛ فإن الجراح التي أحدثها العدو تكفيهم، فلا تكن خنجرًا آخر يُغرس في ظهور الصابرين.

    ما أوسع السجن ما أضيق القلوب القبر الظلمة الأمل النور اليأس الخلاف

    مقالات