العلم بلا ضمير: حين يتحول التقدم إلى تهديد
في عام 1945، حين انفجرت القنبلة الذرية فوق مدينة هيروشيما اليابانية وأحرقت في لحظة واحدة ما يزيد على سبعين ألف إنسان، قال روبرت ؛؛أوبنهايمر؛؛ الأب الروحي للقنبلة، وهو يشاهد الفطر الذري يتصاعد نحو السماء "لقد أصبحنا الموت، مدمّر العوالم." لم يكن أوبنهايمر يفتقر إلى العلم، بل كان في قمة العلم؛ لكنه كان يفتقر إلى الضابط الأخلاقي الذي يسبق العلم، ويُحدّد له حدود الفعل المباح.
هذه اللحظة ليست استثناءً في تاريخ العلم الحديث، بل هي نموذج متكرر بأشكال مختلفة؛ من مختبرات الهندسة الوراثية التي تُعيد كتابة شفرة الحياة إلى غرف الخوارزميات التي تُقرّر من يُقرَض ومن يُوظَّف ومن يُحاكَم، إلى مصانع الأسلحة الذكية التي تبتكر أدوات القتل الدقيق. العلم يتقدم بسرعة لا يواكبها أي نقاش أخلاقي حقيقي في الحضارة الغربية المعاصرة ( منظومة الدول المتقدمة صناعياً).
وأمام هذا الواقع الراهن يبرز سؤال جوهري يتقاطع فيه هذا المقال مع ثلاثة خيوط جوهرية كبرى:
أطروحة "بارينجتون" مور عن البنى الاجتماعية التي تُنتج هذه الأنظمة السياسية، وفكر فاتسلاف هافل عن العيش داخل الحقيقة ومقاومة الكذب البنيوي، والسياسة الشرعية الإسلامية بوصفها منظومة قيمية ومؤسسية لضبط السلطة وحماية الإنسان.
السؤال هو: كيف يمكن لهذه الخيوط الثلاثة مجتمعةً أن تُقدّم إطاراً نقدياً وبنائياً لمعالجة أزمة العلم المنفلت من ضوابطه الأخلاقية؟
أولاً: مور وسؤال البنية — من يتحكم في العلم؟
حين حلّل بارينجتون مور الأصول الاجتماعية للأنظمة السياسية،- الخلفية الثقافية - كان يطرح في جوهره سؤالاً واحداً: من يمتلك القوة البنيوية في المجتمع؟ ومن يحدد كيف تُستخدم؟ وكان جوابه أن شكل النظام السياسي، ديمقراطياً كان أم فاشياً أم شيوعياً، لا يُحدّده الخطاب الأيديولوجي بل تُحدّده طبيعة التحالفات الطبقية والبنى الاقتصادية التي تُنتج السلطة وتُديمها.
وحين نُطبّق هذا المنطق على عالم العلوم المادية اليوم، تنكشف أمامنا حقيقة مرة هي أن العلم في عصرنا ليس فعلاً إنسانياً محايداً، بل هو نشاط اجتماعي تحدد اتجاهاته وأولوياته وتطبيقاته شبكة من التحالفات بين رأس المال والدولة والمجمع الصناعي العسكري. الشركات الكبرى تُموّل الأبحاث التي تحقق لها الأرباح بغض النظر عن أي قيم واخلاق، والحكومات تُضخّ المليارات في تقنيات الحرب والمراقبة، وشركات التقنية العملاقة تبني مشاريعها لخدمة مصالح المساهمين لا لخدمة الإنسانية.
وبلغة مور يمكن القول: لا برجوازية مستقلة أخلاقياً، و لا علم مسؤول. فكما أن الديمقراطية تحتاج إلى طبقة اجتماعية مستقلة عن الدولة والإقطاع تُقيّد السلطة وتحاسبها، فإن العلم المسؤول يحتاج إلى منظومة اجتماعية وأخلاقية مستقلة عن رأس المال والسلطة تُحدّد له حدوده وتُساءله عن نتائجه.
غياب هذه المنظومة هو ما يُفسّر الفجوة المتسعة بين قدرة العلم على التدمير وعجزه عن التدبّر الأخلاقي. فالتقدم التقني يسير بسرعة القطار الصاروخي، بينما تحكم البنية الأخلاقية الناظمة له بسرعة سلحفائية أو سرعة العربة المكسورة، وهذا التفاوت البنيوي هو جذر الأزمة.
في الواقع العربي والإسلامي: هذا الغياب البنيوي يتضاعف حين ننظر إلى موقع العالم الإسلامي من منظومة إنتاج العلم العالمية؛ فهو في معظمه مستهلك للتقنية لا منتج لها، وهذا يعني أنه يستورد مع التقنية الأطر القيمية والأخلاقية التي نشأت من خلالها و بُنيت فيها، والتي كثيراً ما تتعارض مع منظومته القيمية الخاصة، وبينما تمتلك الحضارة الغربية على الأقل نقاشاً داخلياً متقدماً حول أخلاقيات التقنية، يبقى هذا النقاش في العالم الإسلامي رهين حلقات علمائية ضيقة أو ردود فعل دينية انفعالية لا ترقى إلى مستوى التأطير البنيوي الذي يتحدث عنه مور.
ثانياً: هافل وسؤال الحقيقة. من يجرؤ على قول لا؟
يضع فاتسلاف هافل أصبعه على جرح أعمق حين يسأل: لماذا يستمر الكذب الجماعي رغم أن الجميع يعرف زيفه؟ وجوابه، كما رأينا، أن المشكلة ليست في قصور المعرفة؛ بل في خيانة الضمير في اعتياد الناس على المشاركة اليومية في إعادة إنتاج الوهم خوفاً أو نفعاً أو لامبالاة.
وهذه السيرورة بالذات تسري بدقة مذهلة على عالم العلوم المادية الراهن. فالعلماء والمهندسون الذين يعملون في مشاريع مثيرة للإشكال الأخلاقي، من برامج التجسس الشامل إلى أبحاث الأسلحة البيولوجية إلى جينات التمييز العنصري، كثيراً ما يعرفون مآلات عملهم ومخاطره، و لكنهم يختارون الصمت لأن العقد موقّع والراتب مضمون والترقية مرهونة بالإنجاز لا بالتساؤل.
هذا هو "الكذب الجماعي" في مختبر القرن الحادي والعشرين: ليس إنكاراً صريحاً للحقيقة، بل تأجيل مستمر للسؤال الأخلاقي، وتفريغ للمسؤولية بالاحتجاج بأن "هذا عمل تقني بحت" وأن "القرار السياسي ليس من اختصاصي". كل عالم يُمرّر المسؤولية إلى الذي فوقه في السلسلة، حتى تصل إلى قمة لا تُساءَل أصلاً.
في الواقع العربي والإسلامي: يتجلى في ظاهرة التبعية التقنية العمياء؛ فكثير من الدول العربية والإسلامية تستورد تقنيات المراقبة الشاملة من الصين والكيان والغرب وتوظّفها ضد مواطنيها، دون أن يقوم مثقف أو عالم أو فقيه بقول "لا" أمام السلطة علناً وصريحاً؛ فالثقافة السائدة تُكافئ المتواطئ وتُعاقب المُتسائل، وهذا ما يُنتج بيئة علمية وتقنية تفتقر إلى "العيش داخل الحقيقة" بوصفه ممارسة يومية لا بطولة استثنائية.
ثالثا: السياسة الشرعية الإسلامية: النموذج الغائب الحاضر
حين نستحضر السياسة الشرعية الإسلامية في هذا النقاش، لا نستحضر فقهاً جامداً يبحث في كتب الأولين عن نص يُجيز أو يُحرّم التعديل الجين؛ بل نستحضر منظومة قيمية ومنهجية حية قادرة على بناء إطار أخلاقي متكامل لضبط العلوم المادية وتوجيه تطبيقاتها.
هذه المنظومة تقوم على ركائز راسخة تتكامل فيما بينها لتُشكّل ما يمكن تسميته بـ"الضابط الأخلاقي الشرعي للعلوم":
الركيزة الأولى: مقاصد الشريعة بوصفها معياراً للتقييم
المقاصد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي، حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين، ليست فقط قائمة بالمحظورات، بل هي معيار إيجابي لتقييم أي تطور علمي أو تقني. فكل اختراع وكل تطبيق وكل بحث يمكن أن يُسأل هل يخدم حفظ هذه المقاصد أم يُهدّدها؟
وهذا المعيار حين يُطبَّق على نماذجنا الثلاثة يُنتج حكماً واضحاً: الذكاء الاصطناعي الذي يُديم التمييز ويُعرّض كرامة الإنسان للابتذال يُخلّ بحفظ النفس والعقل. والهندسة الوراثية التي تتلاعب بطبيعة الإنسان لأغراض تجارية أو عسكرية تُهدّد حفظ النسل. وأسلحة الدمار الشامل تناقض مقصد حفظ النفس في أوسع صوره وأعمقه.
الركيزة الثانية: قاعدة درء المفسدة
القاعدة الفقهية "درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح" تُقدّم للفقه الإسلامي أداةً منهجية نادرة في الأخلاقيات الوضعية مبدأ الاحتياط المُسبَق؛ فلا يُنتظر وقوع الضرر ليُعالَج، بل يُبنى الاحتياط منه في أصل التصميم والتطوير.
وهذا المبدأ يتقاطع مع ما يُسمى في الأخلاقيات التقنية المعاصرة بـ"مبدأ الحيطة" لكنه يسبقه بقرون ويُعمّقه بأساس أخلاقي لا مجرد نفعي؛ فالحيطة الغربية تنطلق من حسابات المخاطر والفوائد المجردة من الاخلاقيات والقيم ، أما قاعدة درء المفسدة الإسلامية فتنطلق من مسؤولية مطلقة تجاه الإنسان بوصفه مكرّماً خلقه الله ولا يجوز التفريط في كرامته أو سلامته مهما بلغت الفوائد المرجوة.
الركيزة الثالثة: الاستخلاف ومفهوم المسؤولية الكونية
المفهوم القرآني للاستخلاف، قال تعالى: "إني جاعل في الأرض خليفة"، يُرسي علاقة الإنسان بالعلم والطبيعة على أساس المسؤولية لا التسلط. الإنسان مُستخلَف في هذه الأرض، لا مالكاً مطلقاً لها، وهذا يعني أن استخدام العلم لاستنزاف الطبيعة أو تدمير الحياة أو التلاعب بما خلق الله هو خيانة للأمانة لا ممارسة للسيادة.
وهذا الإطار يُنتج نظرة إلى العلم مختلفة جذرياً عن النظرة الأداتية الغربية السائدة فالعلم ليس مجرد أداة للسيطرة والربح؛ بل هو وسيلة للقيام بالاستخلاف على وجهه الصحيح، أي لخدمة الإنسانية وصون الحياة وبناء العمران لا لاستباحتها.
رابعاً: الخيوط الثلاثة في نسيج واحد
هنا تتضح قيمة الجمع بين "مور – و- هافل" والسياسة الشرعية بوصفها إطاراً نقدياً متكاملاً:
مور يُخبرنا أن البنى الاجتماعية والاقتصادية هي التي تُحدد اتجاهات العلم وتطبيقاته، وأن إصلاح العلم يستلزم قبل كل شيء إصلاح هذه البنى. فلا يكفي التعليم الأخلاقي الفردي للعلماء إن بقيت المنظومة الاقتصادية تُكافئ الابتكار الضار وتُعاقب التساؤل الأخلاقي، ولا يكفي سنّ القوانين التنظيمية إن كانت شركات التقنية الكبرى تمتلك من القوة الاقتصادية والسياسية ما يجعلها قادرة على شراء هذه القوانين أو تهريبها.
وهافل يُخبرنا أن الإصلاح البنيوي لا يبدأ بالبنى، بل يبدأ بالضمائر. بالعالم الذي يرفض التوقيع على عقد يعرف أنه يخدم الضرر، وبالمهندس الذي يُبلّغ عن خلل أخلاقي في المشروع الذي يعمل فيه، وبالباحث الذي يُنشر نتائجه كاملةً حتى حين لا تخدم التوجه التمويلي الذي يعمل تحته. هؤلاء هم "المستضعفون" الذين تنكسر بقوتهم الصامتة البنى الفاسدة.
والسياسة الشرعية الإسلامية تُقدّم شيئاً لا يستطيع تقديمه لا مور ولا هافل متمثلة في منظومة قيمية راسخة مستمدة من الوحي؛ تُقدّم معياراً مطلقاً لا نسبياً لتقييم الفعل العلمي، ومؤسسات تاريخية كالحسبة والفتوى الجماعية ومجالس أهل الحل والعقد يمكن تطويرها وتحديثها لتُؤدّي دور الرقابة الأخلاقية المستقلة على تطبيقات العلم.
والجمع بين الثلاثة يُنتج هذا النموذج: بنى اجتماعية مستقلة عن رأس المال والسلطة تُشكّل منظومة الرقابة الأخلاقية على العلم ، وضمائر فردية مدرّبة على العيش داخل الحقيقة قادرة على قول لا في لحظات الاختبار الحاسمة ، ومعايير قيمية مُستمَدة من مقاصد الشريعة ومفهوم الاستخلاف تُحدّد ما هو مباح وما هو محظور وما يستوجب الحيطة وفق الفقه الإسلامي.
خامساً: نحو مؤسسات الرقابة الأخلاقية على العلوم
إذا كان التشخيص واضحاً، فما البديل البنائي؟ ما الصورة المؤسسية لمنظومة الرقابة الأخلاقية على العلوم وفق إطارنا الثلاثي؟
على المستوى البنيوي ا، يستلزم الأمر بناء مؤسسات أخلاقية مستقلة مالياً وسياسياً عن شركات التقنية والحكومات، مهمتها الحصرية تقييم التطبيقات العلمية وفق معايير أخلاقية واضحة ومُلزِمة قانونياً. استقلالية هذه المؤسسات هي شرط وجودها، لأن المؤسسات التابعة للممولين تُنتج، كما يُعلّمنا مور، رقابةً شكليةً لا رقابةً حقيقية.
كما يستلزم الأمر بناء ثقافة مهنية في المجتمعات العلمية تُعلي من قيمة "الإبلاغ الأخلاقي" وتحمي المُبلّغين عن المخاوف الأخلاقية من الانتقام المؤسسي، فالعالم الذي يُبلّغ عن مخاطر مشروعه لا يجب أن يختار بين ضميره وبين رزقه، وهذا يستلزم تشريعات حماية وثقافة مهنية راسخة تجعل "العيش داخل الحقيقة" خياراً ممكناً لا بطولةً انتحارية.
وعلى المستوى الشرعي الإسلامي، يستلزم الأمر تطوير فقه حيّ ومواكب لأخلاقيات العلوم والتقنية، ليس بالبحث الانعكاسي عن نصوص تُجيز أو تُحرّم تقنيات بعينها، بل بتأسيس منهجية اجتهادية قادرة على التعامل مع إشكاليات لم يعرفها الفقه القديم.
مجامع الفقه الإسلامي الكبرى تمتلك الإطار المؤسسي لهذا الدور، لكنها تحتاج إلى إصلاح داخلي يُدخل إليها الكفاءات العلمية التقنية جنباً إلى جنب مع الكفاءات الفقهية، لأن الحكم الشرعي السليم يستلزم فهماً دقيقاً للموضوع قبل القياس عليه انطلاقا من قاعدة {الحكم على الشيء فرع عن تصوره}.
خاتمة: الإنسان في مواجهة اختراعه
يحكى أن أرسطو حين سُئل عن الفرق بين العلم والحكمة، أجاب: العلم يُخبرك كيف، والحكمة تُخبرك لماذا ومتى وما الحدود، والأزمة التي يعيشها عالمنا اليوم في تطبيقات العلوم المادية هي في جوهرها أزمة حكمة، أي غياب المعيار الذي يُحدّد لماذا نفعل ما نستطيع فعله، ومتى يجب أن نتوقف رغم قدرتنا على المضي، وما الحدود التي لا يُعبَر عنها مهما كانت المكاسب؟!.





















