الأربعاء 11 مارس 2026 06:04 مـ 22 رمضان 1447هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    قراءة في السنن القرآنية لسقوط الطغاة ونهوض الأمم

    رابطة علماء أهل السنة

    ليس للظلم دين، ولا يكتسب شرعيةً من شعار يرفعه أو راية يتدثر بها؛ فالظلم في ميزان القرآن اعتداءٌ على النظام الأخلاقي الذي أقامه الله في الأرض، وخروجٌ على السنن التي تنتظم بها حياة البشر، ومن هنا فإن سنّة الله في الظالمين سنّة ماضية عبر التاريخ لا تتبدل ولا تتحول، وقد أعلنها القرآن بوضوح حتى لا يقع الإنسان في وهم القوة العابرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ﴾.
    قد ينسى الناس الألم بعد حين، وقد تطمس الذاكرة آثار الجرائم مع تعاقب الزمن، لكن هناك سجلًا لا ينسى، وميزانًا لا يختل، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ويقول سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. إنها قاعدة قرآنية عميقة في فهم التاريخ: أن حركة الأمم ليست فوضى، وأن صعود القوى وسقوطها لا يجري عبثًا، بل يخضع لقوانين أخلاقية وسنن إلهية ثابتة، فالكون في الرؤية القرآنية ليس ساحة صراع عشوائي، بل ميدان اختبار أخلاقي تتجلى فيه العدالة الإلهية، حيث يقرر القرآن قانونه الشامل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
    وفي مقابل ذلك فإن المظلوم كذلك لا ينسى من انتهك حقه أو داس كرامته أو اغتصب أرضه؛ فهذه ليست حوادث عابرة في سجل الحياة، بل جراح غائرة في الضمير الإنساني لا تمحوها الأيام، غير أن القرآن لا يقف عند حدود توصيف الألم، بل يقرر قاعدة أخلاقية كبرى تحكم الاجتماع البشري، وهي أن الظلم محرّم في ذاته، لا يتغير حكمه بتغير الفاعلين أو الشعارات، ولهذا جاء التوجيه القرآني الحاسم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾.
    وقد يظن الواهمون أن قوى البغي الدولية ستمتلك الأرض تفعل فيها ما تشاء؛ فتغير الفطرة السوية، وتسعى لإطفاء نور الله، وتشويه الأديان، ومسخ ملامح الإنسان، وتغتصب الأعراض وتتجبر في البلاد، ظانةً أنها قادرة على الكون بما مكنها الله فيه من إمكانات ومعارف، لكن هؤلاء غاب عنهم إدراك سنن الله فيمن سبقوهم على هذا النهج؛ فهل ترك الله فرعون ذا الأوتاد؟ أم ترك ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ فقد ظنت ثمود أن قدرتها على نحت الجبال تمنحها حصانة من السقوط، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؟ وقال قوم عاد في نشوة القوة: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ﴾ فكانت النتيجة الحتمية والقانونية الربانية القاطعة على مدار العصور: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾.
    وهكذا ظل التاريخ يعيد المشهد ذاته في صور مختلفة؛ إمبراطوريات ترتفع حتى تلامس السماء، ثم تسقط فجأة حين تصطدم بقانون الله في الطغيان، فالتتار والمغول والفرس والروم، ثم في العصر الحديث قوى عظمى بدت وكأنها نهاية التاريخ، مثل الاتحاد السوفييتي الذي انهار رغم ترسانته النووية وجبروته السياسي، إنها ليست مجرد تحولات سياسية، بل تطبيقات متكررة لسنّة قرآنية عميقة: أن الطغيان يحمل في داخله بذور فنائه، فالملك في النهاية لله، والتاريخ – مهما بدا في ظاهره صراع قوى – محكوم في عمقه بقوانين أخلاقية لا تتخلف.


    الصهيونية في ميزان القانون


    وليس قانون الله ببعيد عن تلك الفئة التي لعنها الله في كتابه، ومسخ منهم قردة وخنازير، وجعل من بركة الأرض المقدسة أنها ستكون مسرحًا لتطهير الأرض من فسادهم وطغيانهم، لتتنفس البشرية الصعداء بعد زمن طويل من الظلم والرجس. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. وإنه لوعد قريب في ميزان اليقين، فالله قد وعد بهدم علوّهم، ولا يكون التتبير إلا بعد علو، ولا يقع السقوط إلا بعد استكبار.


    الرافضة في ميزان القانون


    وبالطبع فإن قانون ربي لن يحابي من تزيوا بزي الإسلام وتترسوا بادعاء محبة بعض آل البيت، وذهبوا باسم العمامات القذرة وألقاب البهتان ومعتقدات الشيطان يودعون في الأمة الفتنة، فتسلطوا على المسلمين والتهموا أربع عواصم وأذاقوا أهلها من ويلات الإذلال والقتل والاغتصاب والتعذيب الذي ربما لم يخطر للشيطان على بال، ناهيك عن تطاولهم على الصحب الكرام الذين أعلى الله في القرآن مقامهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...﴾ الآية، هل تظن أن الله تعالى غفل عن كيدهم أم تخلى عن أهله وعباده المظلومين؟ وهل يظنون أنهم سيفرون من قوانين بأسه في الظالمين وبطشه بالطغاة المجرمين؟ حاشاه سبحانه القائل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.


    أنظمة الاستبداد في ميزان القانون


    الأعجب من كل ما سبق أن نظن أن قوانين الله تعالى ستنجو منها تلك الأنظمة التي تحالفت مع قوى البغي والإجرام، ومن سخروا إمكاناتهم لحمايتهم ودعمهم، والتفتوا إلى علماء الصدق ودعاة الحق فساموهم سوء العذاب قتلاً وسجناً، طرداً وتشريداً!! هؤلاء الذين عبدوا الشيطان فأهدروا من أجله كرامة أمتهم، ونشروا فيها الفحش والفجور، وحاربوا العفة وضيعوا الثروات وفتتوا العباد، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، هل تظن أن الله لن يصب عليهم سوط عذاب؟ هل تظن أنه تعالى ليس بالمرصاد؟ لأنهم يدعون الإسلام ويظهرون في بعض المناسبات تصنعاً، وهم والله أقرب للكفر يومئذ منه للإيمان؛ كلا والله إن الله بما يعملون محيط.


    الأمة في ميزان القانون


    والأعجب أن تظن الأمة التي لم تحمل رسالة ربها، ولم تتحقق بهدي نبيها، ولم تطبق شرع ربها، وعاشت في محراب الشهوات والشبهات والتطلعات والدعة والكسل والطمع، وبعضها يأكل حق إخوانه ثم يذهب للمسجد مصلياً أو للنسك حاجاً أو معتمراً؛ أتظن تلك الأمة أنها بمعزل عن قوانين القرآن، وفي حماية من عقوبته لمجرد الانتساب؟ لا والله، فالرسول حذر الأمة من هذا المصير من أن تكون أصفاراً لا قيمة لها: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكلةُ إلى قصعتِها»، فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غثاءٌ كغثاءِ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهنَ»، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهنُ؟ قال: «حبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ».


    الصادقون في ميزان القانون


    ومع كل هذا، فإن في الأمة رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه فأكمل عدته، وثبت على ثغره وأدى ما عليه، وبذل كل ما لديه، وأنفق من علمه وجهده وماله في سبيل ربه، وتحمل في سبيل ذلك أصناف الإيذاء فلم يرده ذلك عن دينه. وهناك من ينتظرون دون تبديل، بل هم على عهدهم مع الله والناس؛ فهناك من ثبتوا في الميدان رغم قلة الإمكانات، وهناك من ضحوا بكل غالٍ وثمين، وهناك من حملوا لواء القرآن يبشرون به أهل الإيمان وينذرون به أهل الطغيان. هناك الصابرون على ما أصابهم، والمحتسبون ما قدَّره الله عليهم. هناك من مرت عليهم السنوات الطوال في أقبية الظالمين يتطلعون إلى السماء، يقلبون وجوههم ينتظرون فرجه عليهم وفتحه لهم وانتقامه ممن بغوا عليهم.
    هل تراهم يذهبون من الأرض ولم يشفِ الله الصدور؟ ولم يهتك على الظالمين الستور؟ ولم ينزل على أهل الإيمان نصره؟ ولم يمدَّهم بمدده؟ كلا والله، وإنا لنرى رايات دينه فوق كل الرايات عالية، ومنهجيات دينه على كل الأرض حاكمة لعباده، ونرى مصارع الظالمين فرادى وجماعات.
    فكما أن للظلم سنّة في السقوط، فإن للحق سنّة في الظهور. وسيأتي اليوم الذي ترتفع فيه رايات العدل فوق الأرض، وتتهاوى فيه عروش الطغيان، وتعود الإنسانية إلى ميزانها الذي أقامه الله. وحينها سيدرك العالم كله الحقيقة التي أعلنها القرآن منذ قرون: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ويبقى على كل إنسان أن يحدد موقعه في هذا الصراع التاريخي بين العدل والظلم؛ أن يثبت على ثغره، وأن يتسلح باليقين، وأن يبشر الأرض بفتوحات السماء، وأن يردد في أعماقه: سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي .. وأموت مبتسمًا ويحيا ديني

    قراءة السنن القرآنية سقوط الطغاة نهوض الأمم

    مقالات