الإثنين 6 أبريل 2026 12:15 مـ 18 شوال 1447هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    تخويف الله لعباده

    رابطة علماء أهل السنة

    نعمة الأمن من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على الناس، وهي نعمة تجري وفق السنن الربانية، تدوم بشكر الله، وتفقد بالمعاصي والشرك والظلم.
    والخوف ضد الأمن، وهو الغم على ما يستقبل من الحوادث، بخلاف الحزن؛ فهو الغم على ما فات من الحوادث.
    والخوف ابتلاء يبتلي به الله عباده ليهرعوا إليه بالدعاء والصلاة، وليتميز الصادق الصابر، من الكاذب الساخط.
    قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
    قال السعدي رحمه الله: ((أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ من الأعداء ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.
    ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ﴾ وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظَّلَمَة للأموال من الملوك الظَّلَمَة، وقطاع الطريق وغير ذلك.
    ﴿وَالأنْفُسِ﴾ أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه.
    فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.
    وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب)).
    (تفسير السعدي ص75)
    ويخوف الله عباده بإرسال الآيات المتنوعة، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾
    [الإسراء: 59]
    قال السعدي رحمه الله: ((المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عما هم عليه)).
    (تفسير السعدي ص461)
    فتخويف الله لعباده بالآيات الهدف منها أن يرجعوا إليه، ويتركوا ما هم فيه من المعاصي.
    والحرب الواقعة اليوم في الخليج آية من آيات الله التي أوقعت الخوف في قلوب الناس، فالمطلوب منهم في هذه الحالة أن يرجعوا إلى الله، ليرفع عنهم هذا البلاء ويسود الأمن في بلدانهم.
    وشر الناس في مثل هذه المحن والابتلاءات من يستمرون في معاصيهم غير مكترثين بالآيات، بل قد يزيدون في الشر بصور مختلفة عنادا، وطغيانا، وكبرا، قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60]
    قال السعدي رحمه الله: ((﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بالآيات {فَمَا يَزِيدُهُمْ} التخويف ﴿إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ وهذا أبلغ ما يكون في التملي بالشر ومحبته وبغض الخير وعدم الانقياد له)).
    (تفسير السعدي ص461)
    ومن الحوادث التي وقعت في زمن النبي وأفزعت الناس، كسوف الشمس.
    عَنْ أَبِي مُوسَى  قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ ‌يُخَوِّفُ ‌اللَّهُ بِهِا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ)). (رواه البخاري)
    قال الخطابي رحمه الله: ((وفيه دليل على أن الصلاة مستحبة عند حدوث كل آية من الآيات كالزلزلة والريح العاصف، والظلمة ونحوها من الحوادث والآيات)). (أعلام الحديث 1/ 613)
    وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: ((وَفِي قَوْلِهِ عليه السلام «‌يُخَوِّفُ ‌اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ» إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي الْخَوْفُ عِنْدَ وُقُوعِ التَّغَيُّرَاتِ الْعُلْوِيَّةِ.))
    (إحكام الأحكام 1/ 349)
    وقال ابن الملقن رحمه الله: ((يدل ذلك أن الآيات تحذير للعباد، فينبغي عند نزولها مبادرة الصلاة والخشوع والإخلاص له، واستشعار التوبة والإقلاع عن المعاصي)).
    (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 8/ 331)
    ولا شك أن هذه الحرب التي أفقدت الناس الشعور بالأمن، وأقلقت الناس، وأثرت على مجريات الحياة اليومية، والاقتصادية، والسياسية، لا شك أنها آية مُخَوِّفَة تحتاج إلى سرعة الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة والإقبال على الصلاة، والذكر، والدعاء.
    وهذه الحرب بدأت في شهر العبادة؛ شهر رمضان، شهر الصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء، والابتهال.
    فهل تأثرت عبادة الناس في هذا الشهر؟
    نعم تأثرت، فخيار أئمة المساجد من سعى في تسكين روع الناس، وإعانتهم على الخشوع في الصلاة، والدعاء فيها، بإتقان القراءة، وإطالة السجود والتأني في الصلاة عموما، واستثمار دعاء القنوت بالدعاء لعموم المسلمين بالسلامة من هذه الحرب وتبعاتها.
    فكانت صلاتهم وأدعيتهم تقرب الناس من ربهم، وتشعرهم بشدة حاجتهم إلى رحمة الله، وعفوه.
    فجزاهم الله عنا وعن المسلمين خيرا، وأعظم لهم الأجر والمثوبة.
    ولنا عتب على بعض أئمة المساجد، الذين روعوا الناس وهم لا يشعرون بتصرفات خاطئة، تركت أثرها على الناس سلبا، فمنهم من خفف الصلاة حتى لم يستطع المصلي أن يخشع فيها، أو يدعو في سجوده، أو يطمئن في ركوعه. ومنهم من لم يترك للناس سعة في الوقت حتى يدركوا الصلاة، من سرعة إقامة الصلوات بعد الأذان، فضاعت عليهم السنن القبلية، وضاعت عليهم تكبيرة الإحرام، وضاعت عليهم قراءة القرآن قبل الصلاة، والذي كانت تعج به المساجد في رمضان في الأعوام الماضية، من كثرة من يقرأ قبل الصلاة وبعدها.
    وأصعبهم حالا من تجاهل الدعاء للناس بالسلامة من الحرب، ورد كيد الأعداء في نحورهم، ونحوه، وكأن الناس لم يمر بهم خوف، ولم تزعجهم الصواريخ أثناء الصلاة!
    نسأل الله أن يحفظنا وجميع المسلمين وبلدانهم من شر الأشرار، وكيد الفجار، وأن ينعم علينا بالأمن والأمان في بلادنا وجميع بلاد المسلمين.
    للحَدِيثِ بَقِيَّة إنْ شاءَ الله.

    تخويف الله عباده الابتلاء آيات جازع صابر

    مقالات