GO MOBILE version!
بحوث ودراسات ربط الإسلام بين المقدمات والنتائج

ربط الإسلام بين المقدمات والنتائج

21 ربيع آخر 1439 - يناير 9 2018 - 4:40:46 مـ

الشيخ عبدالفتاح أبوغدّة

إن من أشد ما عني به الإسلام الحنيف تنقية المجتمع من الانحرافات والآثام، وتجنيبه الأخطاء والمفاسد، وتحليته بالفضائل والمكارم، وقد تظاهرت نصوص الشريعة السمحاء على رعاية سلامة الفرد والأمة من كل ما يُضْعف كيانها، أو يؤذي أفرادها، أو يضر بها في عقيدتها، أو سلوكها، أو صحتها، أو مالها، أو تفكيرها، أو آدابها العامة، وهذه بعض الأمثلة والشواهد على ذلك:

تحريم الكثير من الخمر والقليل:

1ـ من المعلوم لكلِّ مسلم أن الإسلام حرَّم الخمر تحريماً باتاً قاطعاً، لأنها تضر بالعقل، وتفتك بالجسم، وتذهب بالمال دون نفع للجسم، بل مع الضرر والإثم.

ولما كانت الخمر بهذه المثابة من الضرر حرَّم الإسلام الكثير منها والقليل ولو كان لا يسكر، كما حرَّم تعاطيها وتداولها والمعاونة عليها في كل حال، لأن إباحة تعاطيها وتداولها مدعاة لشربها وتناولها، فلذا حسم الإسلام الداء من أصله، وحرَّمها من كل الوجوه:

روى أبو داود والترمذي في"سننهما" عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" كل مسكر حرام، وما أسكر الفَرَقُ منه ـ الفرقُ: مكيال يسع حوالي سبع كيلوات ـ فملء الكف منه حرام. وفي رواية: فالحسَرَة منه الحرام.

وروى مسلم في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال: إن رجلاً أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله حرَّم شربها؟ قال: لا ، قال: فسارَّ ـ أي الرجل ـ إنساناً، فقال له رسول الله: بم ساررته؟ قال: أمرته ببيعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها، قال: ففتح ـ الرجل ـ المزادة حتى ذهب ما فيها.

وروى الترمذي وابن ماجه في "سننهما" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر عشرة: عاصرها،ومعتصرها، وشاربها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتري له.

 ونهى في حديث آخر عن مجالسة شاربها، روى الإمام أحمد في "مسنده" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدنَّ على مائدة تُدار عليها الخمر...".

وما كان هذا التحريم، لبيع الخمر و تداولها وشرب قليلها الذي لا يسكر، والنهي عن مجالسة شرَّابها إلا لأنَّ كل ذلك مَدْعاة ومقدمة للوقوع في شربها والتلطخ بآثامها وأضرارها.

 تحريم الزنى ومقدِّماته:

2ـ ومن المعلوم أيضاً أنَّ الإسلام حرَّم الزنى، وبيَّن أنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً، وحينما حرَّم الزنى حرَّم معه كل ما يؤدي إليه من قريب أو بعيد، ففرض على المرأة الحجاب من غير محارمها، وحرَّم عليها إبداء زينتها للأجانب، كما حرَّم اختلاط الرجال بالنساء، والخلوة بالمرأة الأجنبية، وأمر الرجل بغض البصر، إذا شاهد النساء، كما أمر النساء بغضّ البصر إذا شاهدن الرجال، وفرض الاستئذان في الدخول إلى بيت الأصدقاء والأقارب، كل ذلك للحفاظ على نقاء الأخلاق، وسلامة العِرض والشَّرف، واستقرار الخواطر والنفوس من أن يتلاعب بها الشيطان فيجرّها إلى الهاوية والتردِّي في الفاحشة!.

ولنستمع إلى القرآن الكريم إذ يقول:{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ـ أي تستأذنوا ـ وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ، والله بما تعملون عليم. قل للمؤمنين بغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ـ أي إلا ما ظهر بنفسه من الزينة عفواً دون قصد وانتباه فإنه معفوٌّ عنه ـ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ـ أي وليسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالحجاب ـ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ـ أي أزواجهن ـ أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني أخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذي لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.

وقال في آية ثانية:{ وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن}.

وقال أيضاً:{ يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن ـ يعرفن مؤمنات متعففات بإدناء الحجاب عليهن ـ فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيما}.

وجاء في السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم في "صحيحهما" عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ فقال رسول الله: "الحمو الموت". والحمو كل واحد من أقارب زوج المرأة كأخيه وعمه وخاله، وابن عمه وابن أخيه وابن خاله وابن أخته وابن عمته وابن خالته.. فقد نبَّه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تحريم دخول هؤلاء الأقارب غير المحارم على الزوجة لما قد يترتب على دخولهم من احتمال المفاسد والأخطار الفاحشة، حتى جعل دخول القريب من هؤلاء على زوجة ابن أخيه أو ابن عمه... غاية في الشر والفساد فشبهه بالموت، لأن الموت أكبر من كل بلاء ومصيبة، وذلك لأن القريب في هذه الحال شر من الغريب، من حيث أنه يدخل آمناً مطمئناً لا تحملق فيه العيون لدخوله البيت، أما الأجنبي فإنه إذا دخل يدخل متخوِّفاً مترقِّباً تحملق فيه العيون، وتتوجَّه إليه النظرات الحادة المرتابة، فلذا يكون دخول القريب أمكن للفساد وأخطر على سلامة العفاف، فيدخل بيت قريبه من غير حَرَج ولا تحفّظ بدافع دالة القرابة، ويكون متيسِّراً له الفتك بالشرف والعرض مثل ما يفتك الموت بالأجسام والأبدان.

وروى الإمام أحمد في "مسنده" عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يخلونَّ رجلٌ بامرأة، فإنَّ ثالثهما الشيطان".

وروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا ومعها أبوها ، أو أخوها، أو زوجها، أو ابنها، أو ذو محرَّم منها".

وروى هؤلاء أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم :"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرَّم منها".

وروى أبو داود والنسائي والترمذي في "سننهم"عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا استعطرت المرأة  ـ أي تطيَّبت بالعطر ـ فمرَّت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية".

وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر أنَّ رسول الله قال:"إذا استقبلك المرأتان ـ أي في الطريق ـ فلا تمرٌّ بينهما خذ يَمْنَةً أو يَسْرًة".

سدُّ الذرائع المؤدية إلى المفاسد والأخطار:

كل هذه الأحاديث الكريمة ربطت بين المقدمات والنتائج حينما نهت عما نهت عنه، وحرَّمت ما حرَّمته: حرصاً على سلامة المجتمع من الآفات والعلل، مع العلم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قالها في خير الأزمان: في زمن الصحابة الذين هم خيار الأمة ولبابها، ذلك لأن الإسلام لا يتجاهل واقعيَّة النفوس الإنسانية وألوان ضعفها، بل يُقرِّر القرآن الكريم ضعف الإنسان في طبيعته كلها فيقول:{ وخلق الإنسان ضعيفاً}.

وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان في المسجد، فجاءت إليه زوجته صفية بنت حُيي، ثم أرادت أن تعود إلى بيتها، فقام يودِّعها على باب المسجد، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأياه مع زوجته جعلا يتعجَّلان في مشيهما وخطواتهما رعاية للأدب مع حضرة الرسول وزوجته الطاهرة، فقال لهما الرسول ـ إذ شاهدهما يتعجلان الخطى ـ : على رسلكما ـ أي مهلكما ـ إنها زوجتي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله أو نظن بك سوءاً؟! فقال: خشيتُ أن يقذفَ الشيطان في قلوبكما شيئاً إنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.

فالإنسان مُعرَّض للضعف والفتنة وتغلُّب الشيطان عليه، ولهذا حال الإسلام بينه وبين المقدمات التي قد توصله إلى التردِّي في الفاحشة والانهيار.

تداعي الفواحش بعضها بعضاً:

ولقد ربط الرسول صلى الله عليه وسلم بين تداعي الفواحش بعضها بعضاً ربطاً ملموساً حين قال كما في "صحيح البخاري" :" ليكوننَّ من أمتي أقوام يستحلون الحر ـ الزنى ـ والحرير ـ المحرَّم على الرجال ـ والخمر والمعازف" فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن التردِّي في الزنى يستدعي من الزاني ـ لنيل الفاحشة ـ التزيُّن بالحرير الذي حرَّمه الله على الرجال، كما أنه يستدعي منه ـ لاستكمال الفاحشة وأدرانها ـ شرب الخمر واستماع الآلات والمعازف التي تُؤَجِّج الفساد والفسق تأجيجاً إذا فترت عاصفتهما في النفس.

وبهذا تتجلَّى لنا رَوْعة الإسلام في تشريعه الأحكام المتلاقية مع طبيعة الفطر السليمة وسدِّه الذرائع المؤدِّية إلى المفاسد والأخطار.

السرقة ومقدماتها:

3ـ وحرَّم الإسلام السرقة، وفرض الزكاة لسدِّ حاجة المعوزين، وأمر بعون العاجز والمحروم من الكسب حتى لا تمتد عينه ولا يده إلى مال غيره، واستوفى تشريع كل ما يُحقِّق سلامة المجتمع من السرقة، ثم جعل بعد ذلك على السارق الذي تقع منه سرقة يحكم الشرع الحنيف بأنها سرقة، جعل عليه حداً هو قطع يده، زجْراً له ونكالاً لسواه.

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مقدِّمة السرقة ـ وإن كانت لا تستوجب الحد ـ توصل فيما بعد إلى السرقة وإقامة الحد فعلاً، حيث قال كما في "صحيح مسلم" :" لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده".

حد شارب الخمر:

 وقد رتَّب الفقهاء وفي طليعتهم سيدنا علي رضي الله عنه أحكاماً على المقِّدمات وباعتبار أنها تفضي إلى النتائج، فقد روى الدار قطني أن علياً رضي الله عنه قال في شارب الخمر: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى ـ أي قذف ـ وعلى المفتري ثمانون جلدة، فجعل حد شارب الخمر ثمانين جلدة ذهاباً منه أن شربها مقدمة من نتائجها القذف، وحد القاذف ثمانون جلدة.

 ربط الإسلام بين المقدِّمات والنتائج فيما يتعلق بالعبادة والمال:

4ـ وليست هذه الطريقة من ربط الإسلام بين المقدمات والنتائج قاصرة على الناحية الاجتماعية فحسب، بل قد جاءت فيما يتعلق بالعبادة والمال أيضاً، وروى الإمام أحمد في " مسنده" وابن ماجه في "سننه" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فوجده يسرف في الوضوء، فقال له: ما هذا السرف يا سعد؟ فقال: أو في الوضوء سرف يا رسول الله؟ قال: نعم ولو  كنت على نهر جار.

الإسراف في الرخيص المبذول يُعوِّد الإسراف في الثمين النادر:

فالرسولُ صلى الله عليه وسلم ، قد ربط في هذا الحديث الشريف بين المقدِّمات والنتائج، لأن الإسراف في الرخيص المبذول يهون ويعود الإسراف في الثمين النادر، فلهذا منع من الإسراف في الماء ولو كان المتوضئ يتوضأ على النهر الذي يأخذ الماء منه ثم يصبُّه فيه، تعليماً منه صلى الله عليه وسلم أن يتجنَّب المسلم الإسراف في الإنفاق والطعام والشرب واللباس، وسائر الأمور، كما يتجنَّبه في الماء الذي هو أرخص الأشياء وأكثرها بذلاً ووجوداً، ذلك لأنَّ الإسلام يربط بين المقدِّمات والنتائج.

مجلة "حضارة الإسلام" العدد الثاني

السنة الخامسة (1384ـ 1964).

4190