GO MOBILE version!
بحوث ودراسات ”ذكرى الدار”  - ”مسلكيات” 58

”ذكرى الدار” - ”مسلكيات” 58

6 رجب 1437 - أبريل 14 2016 - 8:45:17 مـ

الدكتور جمال الباشا

"مسلكيات" 58

    "ذكرى الدار" 

 هو مثلُ غيره، يأكلُ ويشربُ ويتزوجُ ويلاعبُ أولادَه ويخرجُ معهم في نزهة. 
يمارسُ حياته في متجره أو مصنعه، ويجتهدُ في دراسته في معهده أو جامعته، يقومُ بكل ذلك بنشاطٍ وتفاعلٍ وإيجابية. 
يبني ويزرعُ.. يُعَلِّمُ ويصنعُ، هو كسائر الناس إلا أنَّ له خصوصيةً أخلصه الله بها دون غيره، هي أنَّ منازلَ الآخرةِ نَصبَ عينيه، ومشاهدَها لا تفارقُ مُخيّلته، فإذا عُرضَ له من الجمال والنعيم ما يدهشُه حضرَت تلك المنازلُ لتُبدِّدَ ركونَ نفسه إلى الفاني وتثاقلَها إلى أرض السراب، فينطقُ لسانُ المشتاق: اللهمَّ لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة. 
وماذا يساوي كلُّ نعيمِ الدنيا بجانبِ صبغةٍ في نعيم الجنان؟!
وأيُّ شيءٍ في هذه العاجِلة يُشبِه أو يقاربُ دارَ السلام؟! 
دارٌ سلِمَت من الأكدار والأقذار والأشرار. 
لا موتَ ولا هرَمَ، لا همَّ ولا سقم. 
نعيمٌ مقيمٌ وسعادةٌ أبدية. 
هل تاقت نفسُك ليوم المزيد، وارتقت أمنياتُك إلى نيلِ لذَّةِ النظر إلى وجه الله المجيد؟! 
   هل تأمَّلتَ في صُحبة الأخيار على منابر النور، وكثبان المسك، والزعفران والكافور؟!

   هذه الخَصيصةُ هي أشبهُ ما تكون بحال رجلٍ وُعِد بانتقالٍ قريبٍ ومفاجئٍ من مسكنه المستأجَر المُتهالك في ناحيةِ ذلك الحيِّ القديم الصاخِب المُتشاكس أهلُه، إلى قصرٍ منيفٍ واسعٍ على رأس جبل، يطلُّ على مروجٍ خضراءَ تتوسطُها بُحيراتٌ زرقاءُ صافيةٌ تسرُّ الناظرين، وفي القصر خدمٌ وحشَمٌ وسرورٌ وحبور، قد جُهِّز بكل وسائل الرفاهية والنعيم، هل يبقى لذلك الرجل نظرٌ أو التفاتةٌ إلى شيءٍ مما في مسكنه القديم أو يراه شيئًا أصلا؟! 
سوف يتخطَّى بنظره حدودَ الزمان والمكان، ويصبحُ حديثُه وشغلُه الشاغل عن دار إقامته الموعود الذي أخذ بلبِّه وامتلك شغافَ قلبه.

أيُّها المبارك .. 
تعرَّف أكثر على دار المتقين، اقترب منها حتى تُصبحَ كأنَّها رأيُ عين، وكأنَّ نورَها الذي يتلألأ يلوحُ لناظرَيك، وكأنما نفحاتُ طيبها الزاكي تمخُرُ أنفك، وعليلُ نسماتها تنعِشُ رئتك.
 
   طَوِّف قلبَك حولَ ذلك الجمال في تلك القمم، وحلِّق بروحك لتسمو عن التطلع إلى سفاسف الهمم، واعلم أنَّ حضورَ ثواب العمل في ذهن العامل وارتقابَ المكافأة عليه هو أحدُ أهم روافد طاقته للقيام به.
فليكن ذكرى الدار أكبرَ همِّك.. 
والسعيُ لها أعظمَ شغلك.. 
ونعوتُ جمالها حاديًا لك في سيرك .. 
لعلك تقولُ عما قريب:
   
لمثل هذا فليعمل العاملون.

   د. جمال الباشا

458