الثلاثاء 24 مارس 2026 10:30 مـ 5 شوال 1447هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    تأملات تفسيرية في استغفار يعقوب عليه السلام لبنيه

    رابطة علماء أهل السنة

    تتجلى في قصة يوسف عليه السلام صورةُ سامية ومعبرة من صور معاني التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى، وذلك في توبة إخوة يوسف عليه السلام واستغفار أبيهم يعقوب عليه السلام لهم، فحين أراد الله بآل يعقوب وإخوة يوسف عليه السلام خيراً، ساق لهم أسباب التوبة والرجوع إليه وعندما رأوا المعجزات للنبيين الكريمين والدهم يعقوب (عليه السلام) وأخوهم يوسف (عليه السلام) وآخرها رجوع البصر إلى أبيهم بعدما ألقى البشير القميص على وجهه، انهدم كل شيء سلبي في نفوسهم وفاض الخير فيها فطلبوا من أبيهم الدعاء لهم بالمغفرة.

    قال الله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 97]:

    بعد أن جاء البشير وبان الأمر وظهر صدق يعقوب (عليه السلام) لم يملك الأبناء إلا أن قالوا:

    1- ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾:

    - ﴿قَالُوا﴾: أي الإخوة وبدون مقدمات ولا فواصل.

    - ﴿يَا أَبَانَا﴾: بنداء التقرب والتحبب.

    - ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: طلبوا منه الدعاء بأن يغفر الله لهم ذنوبهم. وفي هذا الطلب تعبير عن طلب مزدوج، فهم يطلبون منه الصفح والعفو والنزول عن حقه حيالهم، بأن طلبوا منه أن يسأل الله تعالى أن يغفر لهم. وتلك التفاتة جميلة تدل على ذكاء وصفاء سريرة (العريسي، ص 365).

    - ﴿ذُنُوبَنَا﴾: وهم يشيرون بذلك إلى أنها أكثر من ذنب واحد، أي: على الجمع في الذنوب؛ ليشمل سرها وجهرها، قديمها وحديثها، كبيرها وصغيرها، وعلى الجمع فيهم: ﴿إِنَّا﴾؛ ليعمهم جميعاً ممن أجرم بيده أو مشى برجله أو نطق بلسانه أو شارك برأيه أو أقر بقلبه، أو سكت عن نصحه فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر، فالكل مذنبون وإن اختلفت درجاتهم وتبعاتهم.

    - ﴿إِنَّا﴾: أصلها: (إنّ) للتأكيد، و(نا) للجمع، أي: إنهم أكدوا ثانية خطأهم وأقروا به جميعاً.

    - ﴿كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: بصيغة الجمع في اسم الفاعل، ليدل على الخطأ في فعلهم فيهم جميعاً والخطأ بشمل كل ذنب، فعمموا ولم يخصصوا، فربما غفلوا في التخصيص عن ذنوب تسللت بعضها من بعض، ولم يعرّف الذنب، ولم يعرف نوع الخطأ؛ لأن الله سبحانه أمر بالستر (العريسي، ص 365).

    ولم يجبهم يعقوب (عليه السلام) إلى طلبهم مباشرة، بل أخره إلى وقت آخر، كأنه (عليه السلام) أراد أن يشعرهم بفداحة ذنبهم. أو أنه أخر الاستغفار إلى وقت ترجى فيه الإجابة أكثر، كوقت السحر. أو لعله (عليه السلام) أخره حتى يلتقي بيوسف ويراه ويطمئن عليه، فما راء كمن سمعا (مسلم، 4/227).

    قال تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف: 98]:

    إن الآية الكريمة تدل على حب يعقوب (عليه السلام) لأبنائه متأصل متجذر في أعماقه، وهذا سر من أسرار الله فمهما كانت قسوة الأبناء على الآباء شديدة ومتمادية، فليس أسرع من قلب الآباء صفحاً وعفواً، ولو أدرك الأبناء عظمة هذا السر لما وقع ولد في جرم العقوق (العريسي، ص 368).

    أ. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾:

    - ﴿سَوْفَ﴾ كلمة السين وسوف تدلان على وقوع الفعل في المستقبل، وكلمة (سوف) تدل على بعده قليلاً من ال (السين) ومعنى هذا أن سيدنا يعقوب (عليه السلام) لو قال: (سأستغفر لكم ربي) لدل على أنه سيستغفر بعد قليل، ولكنه قال: (سوف) فدل على أنه سيستغفر بعد زمن وإن قل، ولهذا قال بعض سادتنا العلماء إن يعقوب أمهلهم قليلاً حتى يتقربوا من الله أكثر، فإذا استغفر الله لهم غفر لهم. ولم يكن هذا مع يوسف لأنّه قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وهذا طرح منه لكل ما فعلوه، ثم أضاف الدعاء لهم، وقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾، ثم طمأنهم بأنه سبحانه أرحم الراحمين، وأنه مهما عظم ذنب الناس، فإنه سبحانه وتعالى أوسع رحمة وأعظم فضل.

    - قال عطاء: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها في الشيوخ، ألا ترى قول يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، وقول يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.

    - قال العز بن عبد السلام: في قوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾: أخره إلى صلاة الليل أو السحر وليلة الجمعة (العز بن عبدالسلام، 2/139).

    إنّ الدعاء في الأوقات الفاضلة معروف في السنة، ومنه شرع الاستغفار بالسحر، وعقب الصلوات وفي السجود وعند الآذان وبينه وبين الإقامة وعند الإفطار في الصيام أقرب للإجابة مما عداها (ابن نصر، 2/842).

    - ﴿أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾: أي أسأل لكم المغفرة.

    - ﴿رَبِّي﴾: جاء بلفظ الرب ﴿رَبِّي﴾ ليبين حال السكينة والطمأنينة التي يعيشها يعقوب (عليه السلام) في كلمة واحدة قالها، وهو تعبير عن ثقته بالله وشعوره بقربه منه (العريسي، ص 367).

    وفي كلمة ﴿رَبِّي﴾ تأدب مع الله في إرجاع الأمر كله إليه، عرفاناً وذلاً وفقراً إليه سبحانه. وللدلالة على صلة الحب القوية بين الله الرب، ونبيه العبد، فالرب مولى النعم كلها، والمغفرة عطاء من عطاءات الربوبية وفيه تضمين منه بأنه غفر هو لهم وعفا عنهم (السقا، ص 406).

    ب- ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:

    - ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن للتأكيد والهاء الضمير عائدة إلى: ﴿رَبِّي﴾ والضمير ﴿هُوَ﴾ لزيادة التأكيد، وأنه هو صاحب الشأن، ولتمييز كمال صفاته عن نظائرها في غيره ولم يقل: سوف أستغفر لكم ربي الغفور الرحيم، بل أضاف: ﴿إِنَّهُ﴾ للدلالة على عظيم تقديره ومعرفته ويقينه بعظيم صفات ربه (السقا، ص 407).

    - ﴿الْغَفُورُ﴾: الذي يستر الذنب فلا يظهره ولا يؤاخذ عليه (السقا، ص 407)، فالغفور والعفو سبحانه، هو الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً وبالغفران والصفح عن عبادة موصوفاً، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعدنا بالمغفرة لمن أتى بأسبابها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82].

    فالغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب (الجليل، ص 569). فيعقوب (عليه السلام) على معرفة عميقة بمن يغفر الذنوب، فذكر نفسه به وكذلك دعا أولاده إلى قصده وحده سبحانه، فجدران اليأس وجبال الهموم وكآبة المعاصي تتصدع وتزول وتتلاشى، وتنطلق أرواحهما من سجون المعاصي إلى آفاق التوبة، فهل هناك أجمل من طلب المغفرة بعد الوقوع في الذنوب والمعاصي من الله؟

    قل: استغفر الله، لا تقلها فقط، تأمله فيها: استغفر الله، إن قلتها من قلبك تتناثر جميع الوساوس والهواجس والمخاوف (الفيفي، ص 156). وسبحان القائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

    - ﴿الرَّحِيمُ﴾: بإسباغ الخيرات كلها ظاهراً وباطنا وحسّاً ومعنى. وأضاف (أل) التعريف وبصيغة (فعيل) للدلالة على قوة الصفة وعظمتها وسعتها (السقا، ص 407).

    إن يعقوب (عليه السلام) يعلمنا عبودية الرجاء والتعلق برحمة الله ومغفرته وعدم اليأس من رحمته التي وسعت كل شيء وهو الذي يغفر الذنوب جميعاً. ومما تستجلب به رجمة الله، الاستغفار ولذلك قدم يعقوب (عليه السلام) اسم الغفور الذي يغفر الذنوب ويرحم العباد. والملاحظ في خطاب يعقوب لأبنائه حضور اسم الرب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ مع الانكسار والخضوع والتوجه في طلب المغفرة من الغفور والرحمة من الرحيم.

    إن يعقوب (عليه السلام) أكد لأبنائه بأن ربه هو ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فقد جمع بين الاسمين الكريمين، لأن المغفرة تسقط عقوبة الذنوب، ويستر الله عز وجل ذنوب عباده ويقيهم آثامها، كما يقي المغفر الرأسَ من السهام، وهذا مقتضى رحمته سبحانه، كما أن في الجمع بين هذين الاسمين الكريمين إشارة إلى الكرم الغامر والفضل العميم، فإن كونه سبحانه (الغفور) يقتضي تجاوز عن الزلات والعثرات فإذا قرن (الغفور) ب (الرحيم) الذي ظهرت آثار رحمته فهو الفضل الذي ليس وراءه فضل، فالمغفرة تخلية عن الذنوب، والرحمة تحلية بالفضل والثواب (الجليل، ص 148).

    - ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: حقيقة إيمانية أساسية من حقائق الابتلاء والجزاء، والذي من رحمته سبحانه بعباده أن يغفر ذنبهم ويرحم ضعفهم إذا ما أخلصوا التوجه إليه وحده وجاء ذكرها مناسباً لطلبهم الاستغفار وليقرر ويؤكد أن الله سبحانه هو صاحب الحق أولاً وآخراً وأنه بيده الأمر كله وأنه أهل التقوى وأهل المغفرة (السقا، ص 407).

    وبكلام يعقوب لأولاده: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ طوى الماضي بأحداثه وصرنا أمام مرحلة جديدة في حياة آل يعقوب فقد أخذ يعقوب (عليه السلام) أهله جميعاً؛ أبناءه وخدمهم ودوابهم ومواشيهم وأموالهم وأغراضهم، وسار الموكب الإيماني من جنوب فلسطين إلى مصر ليستقروا جميعاً عند يوسف عزيز مصر.

    المصادر والمراجع:

    1. العريسي، فؤاد. لطائف التفسير، دار المعرفة، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 1425ه/2005م.

    2. مسلم، مصطفى. التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من كبار علماء القرآن وتفسيره بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم، كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، جامعة الشارقة، الإمارات العربية، 2010م.

    3. العز بن عبدالسلام، التفسير العظيم المسمى تفسير القرآن العظيم.

    4. ابن نصر، محمد بن موسى. إتحاف الإلف بذكر الفوائد الألف والنيف من سورة يوسف عليه السلام، مكتبة الرشد، السعودية، الطبعة الأولى، 1424ه/2003م.

    5. السقا، محمد عاطف. يوسف أيها الصديق، دار المكتبي، الطبعة الأولى، 1429ه – 2008م.

    6. الجليل، عبدالعزيز ناصر. ولله الأسماء الحسنى، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه، 2009م.

    7. الفيفي، علي جابر. لأنك الله.

    تأملات تفسيرية استغفار يعقوب بنيه

    مقالات