الخميس 19 فبراير 2026 03:29 مـ 2 رمضان 1447هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الْمَرْأَةُ تُحِبُّ الْكَلامَ مَعَ زَوْجِهَا

    رابطة علماء أهل السنة

    هٰذَا الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ؛ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ، تَقُصُّهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَيْهَا، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((الصَّحِيحُ فِي هٰذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كُلُّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، إِلَّا قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهَا: (كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ). هٰذَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ التَّصْحِيحِ)). (الْمُفْهِمُ لِمَا أَشْكَلَ مِنْ تَلْخِيصِ كِتَابِ مُسْلِمٍ 6/ 333)
    فَاسْتِمَاعُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ وَهِيَ تُحَدِّثُ بِهَذا الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ مِنْ حُسْنِ تَعَامُلِهِ مَعَ زَوْجَاتِهِ صلى الله عليه وسلم.

    وَلَيْسَتْ هٰذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ الْوَحِيدَةَ مِنَ الْحَوَادِثِ الدَّالَّةِ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ لِزَوْجَاتِهِ، بَلِ السُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِالْأَمْثِلَةِ فِي ذٰلِكَ.
    مِنْهَا، قِصَّتُهُ مَعَ صَفِيَّةَ فِي اسْتِمَاعِهِ لَهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ.
    عَـــــــنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا جَـــــــــاءَتْ إِلَى رَسُــــولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ)). فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا)).
    (رواه البخاري ومسلم)

    قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَأَمَّا خَبَرُ صَفِيَّةَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مُحَادَثَةَ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِهِ لَيْلًا جَائِزٌ، وَهُوَ السَّمَرُ نَفْسُهُ)). (صحيح ابن خزيمة 3/ 349)

    فَهٰذِهِ الْحَادِثَةُ وَقَعَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لِرَبِّهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ الِاعْتِكَافُ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ نِسَائِهِ صلى الله عليه وسلم وَيَسْتَمِعَ إِلَيْهِنَّ، وَيُحَادِثَهُنَّ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي اعْتِكَافِهِ، وَلَمَّا طَلَبَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ أَنْ تُحَادِثَهُ وَحْدَهَا، لَمْ يَمْنَعْهَا، بَلِ اسْتَمَعَ إِلَيْهَا سَاعَةً كَامِلَةً وَهِيَ تَتَحَدَّثُ، وَلَمْ يَتَضَجَّرْ مِنْهَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ لَهَا بِأَنَّ هٰذَا شَهْرُ الْعِبَادَةِ، وَأَنَّهُ مُعْتَكِفٌ وَيَحْتَاجُ إِلَى التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ، وَلَمْ يَجْرَحْهَا بِكَلِمَةٍ تَجْعَلُهَا تَكْتُمُ مَا فِي نَفْسِهَا وَتَعِيشُ بِأَلَمِهَا، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ: (اخْتَصِرِي وَلَا تُضَيِّعِي وَقْتَ عِبَادَتِي) أَوْ يَقُولُ: (اتْرُكِي هٰذَا الْمَوْضُوعَ إِلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ)، أَبَدًا، لَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَسْتَمِعُ إِلَى زَوْجَاتِهِ بِكُلِّ إِنْصَاتٍ، وَلَوْ أَطَلْنَ الْحَدِيثَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ، وَقِصَّةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
    إِنَّ أُنْسَ الْمَرْأَةِ بِالْحَدِيثِ إِلَى زَوْجِهَا لَا يَنْتَهِي، وَقَدِ اسْتَمَرَّ حَدِيثُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حَتَّى بَعْدَ أَنْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ، وَاسْتَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَادِثُهَا وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رِجْلَيْهِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَتَضَجَّرْ، وَفِي ذٰلِكَ تَطْيِيبٌ لِنَفْسِهَا.

    إِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ: (حُبَّ الْكَلَامِ مَعَ الزَّوْجِ)، فَالسَّعِيدُ مِنَ الرِّجَالِ مَنْ اسْتَثْمَرَ هٰذَا الْحُبَّ فِي إِسْعَادِ نَفْسِهِ، وَإِسْعَادِ زَوْجِهِ.
    وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا أَنْوَاعٌ، مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَشَاكِلِ الْأَوْلَادِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الْبَيْتِ، وَمِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ مِنْ حَوْلِهَا وَعَلَاقَتِهِنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ.
    وَحَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ النَّوْعِ الْأَخِيرِ.
    وَالْمَرْأَةُ عِنْدَمَا تَتَحَدَّثُ مَعَ زَوْجِهَا تُرِيدُ مِنْهُ إِنْصَاتًا لِحَدِيثِهَا، وَتَفَاعُلًا مَعَهَا بِالنَّظَرِ فِي عَيْنَيْهَا وَوَجْهِهَا وَهِيَ تَتَكَلَّمُ.
    وَيُفْسِدُ هٰذَا الْمُرَادَ انْشِغَالُ الزَّوْجِ بِاللَّعِبِ بِهَاتِفِهِ، أَوْ تَرْكِيزُ النَّظَرِ فِي الْقَنَوَاتِ وَتَقْلِيبِهَا.
    إِنَّ الْمَرْأَةَ عِنْدَمَا تَطْرَحُ الْمُشْكِلَةَ، أَوْ تَسْرُدُ الْقِصَّةَ الطَّوِيلَةَ، يَكْفِيهَا مِنَ الزَّوْجِ تَعْلِيقٌ قَصِيرٌ عَلَى الْمَطْرُوحِ، يُسْعِدُهَا وَيُشْعِرُهَا بِاهْتِمَامِهِ بِمَا طَرَحَتْ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَمَا قَالَ لَهَا بَعْدَ أَنْ انْتَهَتْ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ)).

    وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُحْسِنَ اخْتِيَارَ الْوَقْتِ عِنْدَمَا تَرْغَبُ فِي الْحَدِيثِ مَعَ زَوْجِهَا، كَمَا تُحْسِنُ اخْتِيَارَ الْمَوْضُوعِ الْمُنَاسِبِ لِلْوَقْتِ الَّذِي اخْتَارَتْهُ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الزَّوْجَ وَهُوَ قَادِمٌ مِنْ عَمَلِهِ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ عِنْدَ جُلُوسِهِ لِلطَّعَامِ، أَوْ قَبْلَ نَوْمِهِ، بِذِكْرِ مَشَاكِلِ الْأَوْلَادِ، أَوْ طَلَبَاتِ الْبَيْتِ، فَهٰذِهِ أَوْقَاتٌ لَا تُنَاسِبُ الرَّجُلَ.

    وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُحْسِنَ تَوْجِيهَ الْمَرْأَةِ إِلَى وَقْتٍ أَرْحَبَ، إِذَا هِيَ أَخْطَأَتْ فِي اخْتِيَارِ الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ.
    كَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُخَصِّصَ وَقْتًا لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا يَتَضَجَّرَ مِنْ ذٰلِكَ، فَقَدِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.

    وَهٰذِهِ نَمَاذِجُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ تَعْلِيقًا عَلَى حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ:
    قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ حُسْنُ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَاسْتِحْبَابُ مُحَادَثَتِهِمْ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ)). (أَعْلَامُ الْحَدِيثِ 3/ 2000).
    وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ: ((حُسْنُ عِشْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ أَهْلِهِ، وَتَأْنِيسُهُنَّ، وَاسْتِحْبَابُ مُحَادَثَتِهِنَّ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَاهُنَا بِحَدِيثِهِ لِعَائِشَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِخَبَرِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ، وَهٰكَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ: «بَابُ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَهْلِ»، وَقَدْ وَرَدَتِ الْآثَارُ الصِّحَاحُ الصَّحِيحَةُ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِهِ وَمُبَاسَطَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَكَذٰلِكَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
    وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: فِي ذٰلِكَ مَرْضَاةٌ لِرَبِّكَ، وَمَحَبَّةٌ فِي أَهْلِكَ، وَمَثْرَاةٌ فِي مَالِكَ، وَمَنْسَأَةٌ فِي أَجَلِكَ. قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي ذٰلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
    وَكَانَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ يَقُولُ: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَبَّبَ إِلَى أَهْلِ دَارِهِ؛ حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِمْ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ ص108).

    وَمَا أَحْسَنَ اسْتِدْلَالَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، عِنْدَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ اسْتِمَاعَهُ لِامْرَأَةٍ مَعَ أَنَّهَا أَغْلَظَتِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ، بِاسْتِمَاعِ اللهِ لِامْرَأَةٍ اشْتَكَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَكَيْفَ لَا يَسْتَمِعُ هُوَ لَهَا!
    قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: قِفْ يَا عُمَرُ. فَوَقَفَ، فَأَغْلَظَتْ لَهُ الْقَوْلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ شِدَّةَ امْرَأَةٍ عَلَى رَجُلٍ، وَلَا اسْتِمَاعَ رَجُلٍ لِامْرَأَةٍ! قَالَ: وَيْحَكَ! مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْتَمِعَ إِلَيْهَا، وَهِيَ الَّتِي اسْتَمَعَ اللَّهُ لَهَا، أَنْزَلَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، فَمَا أَحَقَّنِي بِأَنْ أَسْتَمِعَ لِمَنْ اسْتَمَعَ اللَّهُ مِنْهَا. (التَّارِيخُ الْكَبِيرُ لِلْبُخَارِيِّ 7/ 245).

    فَهذَا فِعْلُ الرِّجَالِ الَّذِينَ نَقْتَدِي بِهِمْ.
    فَهَلْ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَرِيمُ مِمَّنْ تَسْتَمِعُ إِلَى زَوْجَتِكَ وَتُنْصِتُ إِلَيْهَا إِذَا تَكَلَّمَتْ؟

    نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.

    المرأة تحب الكلام زوجها

    مقالات