في محراب المحبة ”عشر ذي الحجّة”
تتهيأ القلوب لاستقبال عشر ذي الحجة، لا كأيام عابرة في تقويم الزمان، بل كمواسم لاصطفاء علوي، ومواقيت لتجل غامر إلهي، تتنزل فيها الرحمات، وتفتح أبواب القرب، وينادى فيها على الأرواح المشتاقة أن أقبلي؛ فقد أقبلت أيام الوصال، إنها عشر البركة والفيض التي أقسم الحق ببهائها فقال: (وَالْفَجْرِ {1} وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر)، وما أقسم العظيم بشيء إلا لعظم قدره في ميزان السماء، ثم جاء المصطفى صلى الله عليه وسلم يزيح الحجب عن عظيم ما أودع الله فيها من أسرار المحبة وقبول الطاعات فقال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
تأمل تعبير: «أحب إلى الله»، فالقضية جاوزت الحسابات المادية ومجرد مضاعفة الأجور، لتلامس حديثاً عن محبة إلهية خاصة تنبسط على العمل في هذه الأيام؛ وإذا أحب الله عملاً أشرقت عليه أنوار القبول، وعظم لأهله الأجر، وأفاض عليهم من بركاته ما لا يحيط به بيان، ولهذا فإن أعظم ما يستعد به المؤمن ليس مجرد حركات الجسد، بل تجهيز القلب؛ لأنه موطن المحبة ومحل نظر الرب، وإذا تحقق القلب بحقيقتها، انطلقت الجوارح إلى ساحات الطاعة بشوق دافق لا بثقل العادة الباردة، وبروح حية ترى في العبادة لقاء ومناجاة لا تكليفاً شاقاً.
إن كثيرين يجهدون أنفسهم في الطاعات، لكن القليل هم الذين يعبدون الله بمقام المحبة الصافية؛ فالأول يؤدي العبادة بدافع الخوف أو إسقاط الفرض، أما الثاني فالمحب الشغوف الذي يقبل عليها بشغاف روحه لأنها نافذة تطل على أنوار الرحمة، ولذة لا تضاهيها لذة في خلواته بربه.
والعبادة بالمحبة ليست مقاماً عابراً، بل هي ذروة الكمال الإنساني؛ لأن العبد لا يكتمل حتى ينتقل من دائرة أداء العبادة الجافة إلى فضاء المحبة للعبادة، ومن مجرد الامتثال إلى التلذذ بالقرب من جناب الحق، ولهذا يمكن أن تفهم إشارة دقيقة من قوله تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23)، فمن معانيها ألا تؤدى الطاعات باردة خالية من الروح، بل تقدم في حضرة المحبة بأشواق القلوب لا بحركات الأجساد؛ فليس المقصود أن يصلي الإنسان بحركات بدنه فحسب، بل أن يحب الصلاة ويهواها، ولا أن يذكر الله بلسانه فقط، بل أن يجد في الذكر طمأنينته، ولا أن يقرأ القرآن أداء، بل وقلبه يستدفئ بأنواره ويتنعم بخطاب الله فيه، وهنا تحولت الطاعة من مشقة تكليف إلى عذوبة وصال، ومن واجب يستثقل إلى لذة تستعذب.
فإذا أحب العبد الطاعة خفت عليه كلف التكاليف، وهانت عليه المشقات، وصار يجد في سجدة خاشعة في عتمة الليل ما لا يجده ملوك الأرض في شهواتهم؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي الأمة بما يوقظ كامن المحبة في الأفئدة، ليرفع المؤمنين إلى مقام العبودية المحبة، لا عبودية العادة؛ فهو لا ينتظر من أحد أجراً، ولكنه يريد أن نعبد الله حباً، وتقصده شوقاً، ونأنس بقربه أكثر من أنسنا بالدنيا وزينتها.
وهناك، تتحول الطاعات إلى أنوار، والدعوات إلى أبواب فتح، والدموع إلى مفاتيح للرحمة، ويصبح العبد أهلاً لعطاء الله بالمنة والفضل لا بالمقابلة والاستحقاق، فإذا بلغ القلب مقام المحبة، فتحت له أبواب القبول، وأشرقت فيه أنوار القرب؛ لأن المحبة سر السير إلى الله، وروح العبودية، وغاية الوصول إلى حمى المحبوب.
والواجب الأول في هذه العشر أن ندرك أن الله يحب هذه الأعمال بذاتها؛ أن تصلي وأنت تستشعر أن الله يحب صلاتك، وتذكره وأنت توقن أنه يحب ذكرك، وتكبر وتهلل وأنت تستحضر أن هذه الكلمات يرتضيها، وتصوم وأنت ترى في ظمأ الجوع خلوة مع الحق لا مجرد امتناع مادي، فإذا دخلت روح المحبة إلى هيكل العبادة تحولت الطاعة من عادة إلى نبض حياة، ومن حركة جسد طيني إلى سفر روح ملكوتي.
ولهذا كان السالكون يتحسسون مواقع المحبة الإلهية ليعبدوه بها؛ فوجدوا في كتاب الله أنه يحب الصابرين فتحققوا بالصبر، وأنه يحب الصادقين فطهروا سرائرهم، ويحب المتقين فجعلوا المراقبة وقاية، ويحب المحسنين فأحسنوا عبادة ومعاملة، ويحب التوابين والمتطهرين ففزعوا إلى الإنابة يغسلون أرواحهم بدموع الندم، كما تلمسوا محبته للمخبتين الذين انكسرت قلوبهم تذللاً لله، فخمدت في داخلهم رعونات الكبر والاعتراض.
إن هذه العشر ليست مجرد موسم لجمع رصيد من الأعمال، بل هي موسم إعادة تشكيل بنية القلب وهندسة مشاعره، حتى يعود إلى أصل فطرته؛ عبداً يحب الله ويشتاق إليه، ولهذا كان الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم دائماً: أي الأعمال أحب إلى الله؟ لأن قلوبهم كانت تفتش عن العمل الذي يقع موقع الرضا، وكان صلى الله عليه وسلم يدلهم على معاني الرحمة، حتى قال: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم».
فمن أعظم العبادات في هذه العشر: أن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، وأن تخفف كرباً عن مكسور، وأن تمسح بيد الرحمة على قلوب المتعبين؛ فهذه الأفعال أنفاس محبة خالصة تصعد إلى الله، والمحبة تجعل العبد يتحسس أوقات القرب؛ فيقبل بكليته على وقت السحر، فيقوم المستغفرون بقلوب مرتجفة يرجون رحمته، ويطيل السجود ليعيش حقيقة أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ويكثر من الدعاء لأن المحب لا يمل من مناجاة محبوبه، وإذا ذكر الله ذكره بحب دافق لا بلسان غافل؛ لأن الذكر الصادق إذا خرج من قلب محب تحولت حروفه إلى نور يضيء ظلمات النفس.
نحتاج أن يتحول هذا الحب إلى روح سارية في صلاتنا، وذكرنا، وصفحنا، وإحساننا؛ حتى تصبح العشر رحلة قرب وعروج روح لا مجرد موسم عبادات نعدها عداً.
إن الله لا ينظر إلى كثرة الأعمال وحدها، بل ينظر إلى بصائر القلوب التي جاءت بها؛ ورب دمعة صادقة خفية ترفع صاحبها مقامات، ورب تسبيحة من قلب محب فتحت له أبواب الأنس بالله ما يعجز عن وصفه البيان.
فإذا أحب العبد ربه هانت عليه مشاق الدنيا، وصغرت في عينه الشهوات، وأصبح يجد في طمأنينة السجود ما لا يجده أهل الدنيا في لذاتهم كلها متجمعة.
فيا من أدرك هذه العشر المباركة وسمح له بالمسير، لا تجعلها تمر في الغفلة، بل ادخل محرابها بقلب مشتاق، وأحسن الوقوف والتذلل على باب ربك الكريم؛ فلعل نفحة قدسية واحدة تغير قلبك إلى الأبد، ولعل سجدة ممتزجة بالدموع تفتح لك أبواب القرب التي طالما أغلقتها الغفلة، فالسعيد من دخل بمحبة منيبة، وخرج وقد ازداد بالله معرفة، وإليه قرباً، وبه أنساً، وله شوقاً لا ينقطع.





















