العلماءُ وارثُو النبوّة: من بلاغ الرسالة إلى صناعة النهوض
إنَّ العلماءَ في حياةِ الأمم ليسوا طبقةً اجتماعيةً عابرة، ولا أصحابَ مهنةٍ ذهنيةٍ فحسب، وإنما هم قلوبُ الأمة النابضة، وعقولُها الهادية، ومصابيحُها التي تُبدِّد ظلماتِ الفتن والتيه والانحراف، بهم يُعرف الحقُّ إذا التبست السبل، وبكلماتهم تستيقظ الضمائر، وبثباتهم تَحفظ الأمةُ توازنَها عند العواصف، وقد رفع الله تعالى قدرَهم، فقرن شهادتَهم بشهادته تعالى وشهادة ملائكته الكرام، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ [آل عمران: 18]، وجعلهم أهلَ الخشية الحقيقية فقال: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر: 28]. وليس شرفُ العالم بكثرة محفوظاته، وإنما بقدر ما يحمل من نور الهداية، وما يزرعه في الناس من إيمانٍ ووعيٍ وكرامة. ولذا بقيت أسماءُ العلماء الربانيين حيّةً في ضمير الأمة عبر القرون؛ لأنهم لم يكونوا خزائنَ معلومات، بل كانوا حراسَ العقيدة، وبناةَ الإنسان، وصُنّاعَ النهضة، وورثةَ النبوة الذين يحملون مشاعلَ الهداية في أحلك الأزمنة.
أصناف العلماء
ليس العلماءُ في ميزان الرسالة سواءً، ولا هم في مقام البلاغ والدعوة والإصلاح على مرتبةٍ واحدة:
فمنهم علماءُ صدقٍ وربانيةٍ يحملون أمانةَ الوحي كما يحمل المؤمن قلبَه، لا يبيعون الحقَّ في سوق السلطان، ولا يبدّلون الكلمة إذا اشتدّ البلاء، ولا يصمتون إذا وجب البيان، أولئك الذين جعلوا العلمَ عبادةً، والدعوةَ أمانةً، والقيامَ بالحق قربةً يتقرّبون بها إلى الله تعالى. وهؤلاء هم الامتداد الحقيقي لنور النبوة، الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا﴾ [الأحزاب: 39].
وفي المقابل، هناك علماءُ سلطانٍ جعلوا العلمَ مطيةً للمصالح، ووسيلةً للتقرّب من أبواب القوة والنفوذ، يلوّنون الفتوى بحسب هوى الحاكم، ويصوغون النصوص لتخدم السياسة، ويمنحون الظلمَ غطاءً شرعيًّا، حتى صار بعضهم ـ والعياذ بالله ـ أبواقًا للاستبداد بدل أن يكونوا حصونًا للأمة. وهؤلاء قد حذّر منهم السلف أشدّ التحذير؛ لأن فساد العالم ليس فساد فرد، وإنما فساد أمة؛ إذ يَضلّ الناس بثقتهم فيه، ويحسبون الباطلَ حقًّا حين يخرجُ بلسان العلماء.
وهناك صنفٌ ثالثٌ لا ينافق، لكنه يصمت عند الخطر، ويؤثر السلامة حين يحتاج المقام إلى الصدع بالحق، فلا يقف مع الظالم، لكنه كذلك لا يقف مع المظلوم، وكأن العلم رسالةٌ باردة لا روح فيها، مع أن الله تعالى أخذ الميثاق على أهل العلم ألا يكتموا الحق، فقال سبحانه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
وظائف العلماء
ولذلك فإن الأمةَ لا يمكن أن تستعيد عافيتَها، ولا أن تنهض برسالتها الحضارية، إلا إذا تصدَّر فيها العالمُ الربانيُّ الذي يحمل همَّ الدين والإنسان، ويجعل العلمَ رسالةَ هدايةٍ وإصلاح، لا وسيلةَ جاهٍ أو سلّمَ مصلحة، ويستشعر أنه وارثٌ لمقام النبوة في البلاغ والبيان والتوجيه. ومن هنا تتجلّى الوظائفُ الكبرى للعلماء في حياة الأمم؛ فهم الذين يبنون الإنسان، ويوجّهون الفكر، ويرشدون الواقع، ويصنعون المستقبل على هدي الوحي ونور الرسالة، وهي وظائف العالم على النحو الآتي:
أولاً: العالمُ الربانيُّ وبناءُ الإنسان
أولى وظائف العالم الكبرى: بناءُ الإنسان؛ لأن الرسالاتِ السماويةَ ما جاءت لبناء الحجارة قبل بناء القلوب، ولا لتشييد العمران قبل تشييد الإيمان، والعالم الرباني لا يكتفي بتلقين المعلومات، وإنما يَصنع الضمير، ويُوقظ الروح، ويُربّي الإنسان على العبودية لله تعالى، وعلى معاني الصدق والأمانة والتقوى والخشية.
ولذلك كان القرآنُ يربطُ العلمَ بالخوف من الله، لا بمجرد كثرة المحفوظات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر: 28]. فالعالمُ الحق هو الذي يتحول علمُه إلى نورٍ في قلبه، ثم إلى أثرٍ في الناس.
ومن هنا نفهم لماذا بقي أثرُ الإمام أحمد بن حنبل ممتدًّا عبر القرون؛ لأنه لم يكن حافظًا للنصوص فحسب، بل كان مدرسةً في الثبات والتربية والصبر .. لقد أرادت السلطة أن تنتزع منه كلمةً توافق أهواءَها في فتنة خلق القرآن، فاختار السجنَ والجلد والعذاب، ولم يخترْ خيانةَ العلم، وحين يرى الناسُ عالمًا يثبت على الحق تحت السياط، فإنهم يتعلمون من صموده أكثر مما يتعلمون من آلاف الخطب والدروس.
وكذلك كان أبو حامد الغزالي حين أدرك أن أزمة الأمة ليست أزمة معلومات، بل أزمة قلوب، فكتب مشروعه الكبير في تزكية النفس وإحياء معاني الإيمان؛ ليُعيد التوازنَ بين العلم والعمل، وبين العقل والروح، وبين الفقه والسلوك.
إنَّ بناء الإنسانِ يعني أن يصنعَ العالمُ جيلاً يعرف ربَّه، ويفهم رسالته، ويحمل أخلاق الإسلام في واقع الحياة؛ لأن الأمة لا تنهض بعقولٍ متعلمة وقلوبٍ خاوية، ولا بشهاداتٍ أكاديميةٍ بلا ضمير.
ثانيًا: توجيهُ الفكر وحراسةُ الوعي
ومن أعظم وظائف العلماء: توجيه الفكر، وحراسة الوعي من الانحراف والتزييف؛ فالأمم لا تُهزم بالسلاح وحده، وإنما تُهزم حين يُزوَّر وعيُها، وتضطرب مفاهيمها، وتفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل.
وقد جعل اللهُ تعالى وظيفةَ البيان من وظائف أهل العلم، فقال سبحانه: ﴿لِيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. فالإنذار هنا ليس مجردَ تخويف، وإنما صناعةُ وعيٍ يحفظ الأمة من التيه والانحراف.
ومن هنا كان العلماءُ الكبار يخوضون معاركَ الفكرِ كما يخوض المجاهدون معارك الميدان؛ فهذا ابن تيمية لم يكن فقيهًا منعزلًا في محرابه، بل كان عقلًا حضاريًّا يواجه الانحرافات العقدية، والتشوهات الفكرية، والانهزام النفسي، ويخاطب الأمة بلغة القوة والثقة واليقين، حتى أصبح حضوره العلميُّ حصنًا منيعًا للأمة في زمن الاضطراب.
وكذلك شيخنا الإمام يوسف القرضاوي الذي حمل همَّ تجديد الفقه، وربط الشريعة بواقع الناس، وواجه الغلوَّ والانفلات معًا، وسعى إلى تقديم الإسلام باعتباره مشروعَ رحمةٍ ونهضةٍ وحياة، لا مجرد أحكامٍ جامدةٍ معزولة عن حركة الواقع.
إن العالم حين يوجّه الفكر يحفظ الأمة من التطرف، كما يحفظها من الذوبان، ويصون هويتها من التحريف، ويعيد ترتيب المفاهيم حتى لا تختلط الأولويات، ولا تُقدَّم القشور على المقاصد، ولا تتحول الأمة إلى تابعٍ فكريٍّ لغيرها.
ثالثًا: ترشيدُ الواقع ومواجهةُ الظلم
وليس العلم في الإسلام تأملًا ذهنيًّا منفصلًا عن الحياة، وإنما هو رسالةٌ لإصلاح الواقع وتقويمه؛ ولذلك كان العلماء الربانيون يقفون في وجه الظلم، ويقاومون الفساد، ويحمون الأمة من الانهيار الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، قال تعالى: ﴿لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]. فالعالم الذي لا ينهى عن الظلم ولا يواجه الفساد قد عطّل وظيفةً من أعظم وظائف الرسالة.
ومن أروع النماذج في ذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام الذي لم يخش سلطانًا ولا أميرًا، حتى لُقِّب بسلطان العلماء، وقف في وجه الحكام حين رأى الانحراف، وباع الأمراء في سوق الرقيق لما رأى أنهم لم يتحرروا شرعًا، ولم يجعل العلم تابعًا للسلطة، بل جعل السلطة خاضعةً للشرع.
وهكذا كان العلماء الصادقون عبر التاريخ؛ لم يكونوا دعاةَ فوضى، لكنهم كذلك لم يكونوا شهودَ زور، كانوا يزنون الأمور بميزان الشرع، ويقفون مع العدل، ويرفضون الظلم، ويذكّرون الناس بأن كلمة الحق عبادة، وأن السكوت عن الباطل حين يجب البيانُ خيانةً للأمانة.
وترشيد الواقع لا يعني مجرد النقد، بل يعني تقديمَ الحلول، وإحياءَ القيم، وتقويةَ البناء الأخلاقي والاجتماعي، حتى تتحول الشريعةُ إلى قوةِ إصلاحٍ في حياة الناس.
رابعًا: صناعةُ المستقبل وحراسةُ نهضة الأمة
والعالم الرباني لا يعيش أسير اللحظة، بل يحمل همَّ المستقبل، لأنه وارثُ مشروع النبوة الذي جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وبناء أمة الشهادة والقيادة.
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. وهذه الشهادة الحضارية تحتاج إلى علماء يصنعون الرؤية، ويربطون الأمة بمقاصدها الكبرى، ويغرسون فيها الأمل والثقة والفاعلية.
إن صناعة المستقبل تبدأ من صناعة الوعي، ثم من بناء الإنسان، ثم من تحويل القيم إلى حركةٍ في المجتمع، والعالم الذي يزرع اليأس في الأمة يخون رسالته، أما العالم الرباني فإنه يفتح للناس أبواب الرجاء، ويعلّمهم أن الهزائم لا تكون قدرًا دائمًا، وأن الأمة التي تملك الوحي لا يجوز أن تستسلم للانكسار؛ ولهذا بقيت كلمات العلماء الربانيين وقودًا لنهوض الأمة عبر القرون؛ لأنهم لم يكونوا مجرد شارحين للنصوص، بل كانوا صنّاعًا للأمل، وبناةً للنهوض، وحراسًا للهوية.
العلماءُ ورثةُ الأنبياء
إن الأمة حين تفقد علماءَها الربانيين تفقد بوصلتها، وتدخل في زمن التيه؛ لأن العلماء الصادقين هم صمّام الأمان الفكري والأخلاقي والحضاري، وإذا كان الأنبياء قد حملوا مشاعل الهداية، فإن العلماء الربانيين هم الذين يحفظون هذا النور من الانطفاء؛ ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى كثرة المتحدثين باسم الدين، وإنما إلى العلماء الذين يحملون صفات الأنبياء: صدقًا، وشجاعةً، ورحمةً، ووعيًا، وتجردًا لله تعالى؛ علماءَ يبنون الإنسان، ويوجهون الفكر، ويرشدون الواقع، ويصنعون المستقبل، حتى تبقى راية الوحي مرفوعة، ويبقى نورُ الرسالة ممتدًّا في الأرض.
وما أحوج الأمة اليوم إلى علماء إذا نطقوا صدقوا، وإذا بيّنوا أخلصوا، وإذا خاف الناس ثبتوا، وإذا باع غيرُهم دينَه بدنيا السلطان قالوا كما قال أهل الحق عبر التاريخ: إنما العلمُ أمانة، وإن الكلمةَ عهد، وإن البلاغ عن الله شرفٌ لا يليق به الخوفُ من المخلوقين!


العلم بلا ضمير: حين يتحول التقدم إلى تهديد
لماذا الإسلام هو الدين الحقّ من بين سائر الأديان؟
دولة التلاوة بين الحقيقة والتزييف
رابطة علماء أهل السنة تنعي للأمة العالم الجليل الأستاذ الدكتور / زغلول النجّار
مَن سيصنَعُ التغيير
ضوابط التعامل العلمي والفارق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي
نعي فقيد العلم والجهاد: الدكتور نائل بن غازي مصران
حاجة السوريين إلى التدرج.. هل تكفلها الشريعة؟
بين دماء الشهداء ومداد العلماء
الزائغون الفتانون منا، ولا يدركهم إلا حصيف
بيان العلماء حول الإساءة لنبي الله عيسى بن مريم في افتتاح أولمبياد باريس 2024م
اقتربَ الوعدُ الحقُّ فلا تبرحوا أماكنكم


















