الإثنين 17 أغسطس 2026 03:47 مـ 3 ربيع أول 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الحرية في الإسلام.. أصلٌ شرعيٌّ وليست منحةً من أحد

    رابطة علماء أهل السنة

    الحمد لله الذي خلق الإنسان حرًّا كريمًا، ولم يجعل لأحدٍ سلطانًا على ضميره أو كرامته بغير حق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي بعثه الله ليضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه في مقاومة الظلم، وتحرير الإنسان، وإقامة العدل إلى يوم الدين، وبعد

    إن حديثنا عن حرية المعتقلين ليس أمرًا هامشيًّا، ولا شعارًا سياسيًّا، ولا استجابةً عاطفيةً لحادث جانبي؛ إنه حديث عن أصل من أصول الإسلام، ومقصد من مقاصد شريعته، وواجبٍ شرعيٌّ، وحقٍّ قرره الله للإنسان قبل أن تعرف البشريةُ المواثيقَ والدساتير والإعلانات؛ فالحرية في الإسلام ليست هبةً من حاكم، ولا مِنّةً من سلطان، ولا امتيازًا تمنحه سلطة متى شاءت وتسلبه متى شاءت؛ وإنما هي حق فطري شرعي، يولد مع الإنسان، ويلازمه ما بقيت له إنسانيتُه، ولا يجوز انتزاعه منه إلا بحق ثابت، وعدل محقق، وقضاء نزيه.

    الإنسان مخلوق مكرم حر

    لقد بدأ القرآن بتكريم الإنسان من حيث هو إنسان، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. وهذا التكريم ليس كلمةً مجردة، بل منظومة من الحقوق والحرمات؛ في مقدمتها حقُّ الإنسان في الحياة، والحرية، والأمن، وصيانة الجسد والعِرض والسمعة والخصوصية، وألا يُهان أو يُروَّع أو يُعذَّب أو يُغيَّب في السجون بلا بينة ولا محاكمة عادلة.

    ولم يقل القرآن: ولقد كرمنا المؤمنين وحدهم، أو العرب وحدهم، أو أصحاب القوة والجاه وحدهم؛ بل قال: ﴿بَنِي آدَمَ﴾، ليجعل الكرامة أصلًا إنسانيًّا شاملًا، لا تُسقطه مخالفة سياسية، ولا خصومة فكرية، ولا عداوة شخصية، ولا اختلاف في الدين أو الجنس أو اللون أو الانتماء، بل إن القرآن أمَر بالعدل حتى مع الخصوم، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. فإذا كان العدل واجبًا مع العدو، فكيف يجوز ظلمُ المواطن؟ أو صاحب الأرض، وإذا كانت كرامةُ المخالف مصونةً، فكيف تستباح كرامة البريء؟ وإذا كان البغض لا يسوّغ العدوان، فكيف يسوّغه اختلاف الرأي أو الكلمة أو الموقف؟

    الحرية من مقاصد الشريعة

    إن الحرية مقصد من مقاصد الشريعة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحقق عبوديته لله، ولا أن يعمر الأرض، ولا أن يؤدي أمانته، وهو مسلوب الإرادة، مهدور الكرامة، مُحاصَرًا بالخوف والقهر، وقد قرر الإمام الشافعي أصلًا عظيمًا بقوله: «أصل الآدميين الحرية»، وقرر العلامة محمد الطاهر ابن عاشور أن «الحرية من الفطرة، وهي مما نشأ عليه البشر»، وأنها مقصد من مقاصد الشريعة كالمساواة. فالحرية ليست طارئةً على التصور الإسلامي، بل هي مقتضى الفطرة، وأساس التكليف، وشرط المسؤولية، ووعاء الكرامة الإنسانية.

    ولهذا جاء الإسلام ليحرر الإنسان من كل عبودية لغير الله: من عبودية الهوى، وعبودية الخوف، وعبودية الطغيان، وعبودية البشر للبشر، ووصف القرآن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها رفعٌ للقيود والأغلال، فقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]. فكيف يمكن لدولة تنتسب إلى الإسلام أن تصنع أغلالًا جديدة؟ وكيف يُرفع الإصر عن الإنسان باسم الدين، ثم يوضع في عنقه باسم الأمن أو السياسة؟ وكيف تكون رسالة النبوة تحريرًا للإنسان، ثم يصبح الاعتقال التعسفي وسيلةً لإسكاته وإذلاله وإرهاب أسرته ومجتمعه؟

    إن الأصل في الإنسان الحرية، كما أن الأصل فيه البراءة؛ فلا يؤخذ بالشك، ولا يعاقب بالظن، ولا يحمل جريمة غيره، ولا يُسأل عن فعل لم يفعله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. فإذا كان مجرد الظن منهيًّا عنه، فكيف يُبنى عليه اعتقال؟ وكيف يُهدر به عمر؟ وكيف تُشرَّد به أسرة؟ وكيف يُعذَّب به جسد وتُحطَّم به روح؟

    سلب الحرية من أشد العقوبات وأظلم الظلم

    إن سلب الحرية عقوبة من أشد العقوبات؛ لأنه لا يحبس الجسد وحده، بل يحبس الزمن، ويقطع الإنسان عن أهله وأولاده وعمله ورسالته؛ ولذلك لا يحل إيقاعه إلا بحق ثابت، وإجراء مشروع، وقضاء مستقل، وضمانات كاملة تحول دون الانتقام والتلفيق والتعذيب، أما اعتقال إنسان لأنه قال كلمة حق، أو عبّر عن رأي، أو خالف حاكمًا، أو طالب بإصلاح، أو نصر مظلومًا؛ فليس تطبيقًا للقانون، وإنما هو استعمال للقانون في قتل العدالة.

    والاعتقال الظالم جريمة مركبة في ميزان الإسلام: ظلم للنفس، واعتداء على الحرية، وإهدار للكرامة، وترويع للأسرة، وحرمان للأبناء، وتعطيل للمصالح، وحرمان للمجتمع من طاقات فاعلة تخدمه وتُرقّيه، وربما انضم إليه التعذيبُ والإخفاء القسري والمنع من العلاج والزيارة والمحاكمة العادلة، وكل واحدة من هذه المظالم كافية لأن يقف صاحبُها بين يدي الله خصيمًا للمظلوم؛ فكيف إذا اجتمعت كلها في زنزانة واحدة؟

    لقد حرّم الله الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرّمًا، فقال في الحديث القدسي الصحيح: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» رواه مسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» رواه مسلم. فالظلم الذي تستره اليوم جدرانُ السجون سيظهر غدًا في ساحة القيامة، والأنين الذي لا تسمعه آذانُ المتسلطين يسمعه ربُّ العالمين، والدمعةُ التي تسقط في ظلمة الزنزانة لا تسقط من حساب الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42].

    وليس جسدُ المعتقل مباحًا، ولا عِرضُه مستباحًا، ولا كرامته ملكًا لسجانه؛ فقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، أمام الأمة وفي أعظم مشهد: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» متفق عليه. فحرمة الإنسان ليست مؤجلةً إلى ما بعد خروجه من السجن، ولا معلقةً على رضا السلطة عنه؛ بل هي ثابتة له في حال حريته واعتقاله، وفي حال الاتفاق معه والاختلاف، ولا يملك حاكم ولا قاضٍ ولا سجانٌ أن يُحل ما حرمه الله، أو أن يُهدر كرامةً صانها الله، أو أن يحوّل خصومتَه مع إنسان إلى حكم بإلغاء إنسانيته.

    متى تكون حرمة الأسر والاعتقال؟

    إن حرمة الاعتقال الظالم تتأكد حين يقع على بريء لم تثبت عليه جريمة، ولم تتح له محاكمة عادلة، ولم يُمكَّن من الدفاع عن نفسه؛ لأن الشريعة لا تعرف إدانةً بلا بينة، ولا عقوبةً بلا جريمة، ولا مؤاخذةً لمجرد التهمة، وقد وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدةَ العدالة القضائية الخالدة بقوله: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» رواه مسلم. فالدعوى وحدها لا تصنع إدانة، والتهمة لا تهدر عصمة، وتقارير الأجهزة لا تصبح حقائق لمجرد صدورها عن أصحاب السلطة، والإنسان بريء حتى تقوم عليه حجةٌ عادلة مستوفيةً لشروطها.

    إن ظلم البريء ليس خطأً إجرائيًّا يسيرًا، بل عدوانٌ على بنيان الشريعة كله؛ لأنه يقلب ميزان العدل، فيصبح المظلوم متهمًا، والظالم حاكمًا، والجلاد شاهدًا، والسجن بديلًا عن البرهان، ولشدة حرمة الدماء والأنفس حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإعانة على ظلم إنسان، فقال: «من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع» رواه ابن ماجه وصححه أهل الحديث. فالإثم لا يقتصر على من أصدر أمرَ الاعتقال، بل يمتد إلى كل من شارك في تلفيق التهمة، أو زوّر الدليل، أو أخفى الحقيقة، أو برر التعذيب، أو سكت عن إنسان يعلم براءته وهو قادر على نصرته.

    وليست طاعة الرؤساء عذرًا أمام الله؛ فقد قرر النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدةً لا استثناء فيها: «إنما الطاعة في المعروف» متفق عليه. فلا طاعة في اعتقال بريء، ولا طاعة في تعذيب أسير، ولا طاعة في انتزاع اعتراف بالإكراه، ولا طاعة في منع دواء عن مريض، ولا طاعة في إخفاء معتقل عن أهله ومحاميه، ولا طاعة في تنفيذ حكم يعلم منفذُه أنه قام على الزور والعدوان؛ لأن أوامرَ البشر لا تُحل ما حرمه رب البشر.

    واجب الحكام والولاة والقضاة

    وتَعظُمُ المسؤولية كلما عظُمت الولاية؛ فالحاكم ليس مالكًا للناس، وإنما هو مؤتمن على حقوقهم، والقاضي ليس لسانًا للسلطة، وإنما هو قائم بميزان الله، والسجان لا تسقط عنه إنسانية السجين ولا مسؤوليته الشخصية عما تفعل يداه. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. وتأملوا قوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ فالعدل ليس للمؤيدين دون المعارضين، ولا للأقوياء دون الضعفاء، ولا لأتباع السلطة دون خصومها؛ إنه حق كل إنسان.

    ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. فالعدل في الإسلام ليس موقفًا موسميًّا، بل قيام دائم؛ ولم يقل القرآن: كونوا قائمين بالقسط، بل قال: ﴿قَوَّامِينَ﴾، بصيغة المبالغة، أي اجعلوا حياتكم كلها حراسةً للعدل، ولو خالف مصالحكم، ولو أدان أقربَ الناس إليكم، ولو جرّدكم من امتيازاتكم.

    وقد توعد النبي - صلى الله عليه وسلم - كل صاحب ولاية يشق على الناس ويظلمهم، فقال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به» رواه مسلم. فهذا دعاء نبوي على كل من حوّل الولاية إلى قهر، والقانون إلى سوط، والسجنَ إلى أداة انتقام، وسيقف الجميع بين يدي حَكَمٍ عدل لا تحجبُه أسوار، ولا تخدعه محاضر مزورة، ولا تخفى عليه أنَّةُ معذَّب؛ قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

    أما القاضي الذي يساير الظلم أو يحكم بغير الحق، فقد حذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» رواه أبو داود وصححه أهل الحديث. فمعرفة الحق وحدها لا تُنجي القاضي إن خانها، والعلم بالقانون لا يعفيه إن جعله ستارًا للجور، ومن عرف براءة إنسان ثم حكم عليه إرضاءً لحاكم، فقد باع آخرته بدنيا غيره.

    تخليص الأسارى واجب ولو استغرق أموال المسلمين

    إن نصرة الأسرى والمعتقلين ليست فضلًا زائدًا، بل واجب شرعي وأخلاقي وإنساني؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فكوا العاني، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض» رواه البخاري، والعاني هو الأسير. وقال ابن تيمية: «فكاك الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات». ويدخل في هذا الواجب السعي إلى إطلاق المعتقل ظلمًا، وكشف مظلمته، والدفاع عن حقوقه، ورعاية أسرته، ومحاسبة من يعذبه.

    وقد عاتب الله الأمة على القعود عن استنقاذ المستضعفين فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. قال ابن العربي: «أوجب الله سبحانه في هذه الآية القتال لاستنقاذ الأسرى من يد العدو، مع ما في القتال من تلف النفس، فكان بذل المال في فدائهم أوجب؛ لكونه دون النفس وأهون منها»، ونقل عن الإمام مالك قوله: «على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم». وقرر القرطبي أن «تخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين؛ إما بالقتال، وإما بالأموال»، وأن هذا مما لا خلاف فيه. وبيّن الشوكاني أن نصرة المستضعفين من سبيل الله؛ إذ قال: «حتى تخلصوهم من الأسر، وتريحوهم مما هم فيه من الجهد».

    وترسم الآية مشهدًا إنسانيًّا مؤثرًا لرجال ونساء وأطفال أنهكهم القهر، ولم يبق لهم إلا أن يرفعوا دعاءهم إلى الله؛ وهو ما وصفه سيد قطب بأنه «مشهد مثير لحمية المسلم، وكرامة المؤمن، ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق». فخلف كل معتقل أم تنتظر، وزوجة تكابد، وأطفال يسألون، وبيت فقد أمنه ورزقه وفرحه؛ ولذلك لا تقتصر نصرته على إطلاق سراحه، بل تشمل صيانة كرامته وجسده، ورعاية أسرته، ورد اعتباره، ومحاسبة من ظلمه.

    من مقاصد نصرة الأسرى والمعتقلين

    ولنصرة المعتقلين مقاصد عظيمة: أولها حفظ النفس من القتل والتعذيب والهلاك البطيء، وثانيها حفظ الكرامة الإنسانية من الإذلال والانتهاك، وثالثها إقامة العدل وردع الظالمين، ورابعها حماية المجتمع من أن يتحول الخوف فيه إلى نظام حياة، وخامسها تثبيت المظلوم وأسرته وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم، وسادسها إيقاظ ضمير الأمة حتى لا تعتاد السجون، ولا تألف الأصفاد، ولا يصبح اختفاء الأبرياء خبرًا عاديًّا.

    إن في نسيان المعتقلين إطالةً لاعتقالهم، والصمت عنهم جدار إضافي في زنازينهم، والتطبيع مع مأساتهم مكافأة للظالم على ظلمه، أما ذكرهم، ونشر أسمائهم، ورواية قصصهم، والدفاع القانوني عنهم، ورعاية أبنائهم، ومواساة أهليهم، والضغط المشروع من أجل تحريرهم؛ فكل ذلك من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

    ونصرتهم لا تكون بالعاطفة وحدها، بل بعمل متكامل: توثيق لا يترك الجريمة تضيع، وإعلام لا يسمح للمعتقل أن يصبح رقمًا، وقانون يلاحق الجناة ويحاصر الإفلات من العقاب، ورعاية تحفظ أسر المعتقلين من الفقر والضياع، وخطاب ديني يعلن الحق ولا يبارك سياط المستبدين، وموقف سياسي وإنساني يضغط من أجل إطلاق كل معتقل ظُلمًا، وضمان حقه في العلاج والزيارة والدفاع والمحاكمة العادلة.

    واجب العلماء

    وعلى العلماء خاصةً ألا يصمتوا؛ لأن صمت العالم لا يُقرأ دائمًا حيادًا، بل قد يتخذه الظالم فتوى مستترة، ويحسبه المظلوم خذلانًا، وكلمة الحق في هذا المقام ليست تحريضًا على الفوضى، وإنما حماية للمجتمع من الفوضى التي يصنعها الظلم؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» رواه أبو داود والترمذي وصححه أهل الحديث. ومن أعظم كلمة العدل أن يقال للظالم: "أطلق من حبست بغير حق، وارفع يدك عمن عذبت، ورد إلى الأسر أبناءها، واعلم أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب".

    وفي الحديث المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ رضي الله عنه: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قد تُغلق أبواب السجون، وتُصادر الرسائل، وتُمنع الزيارات، وتُعزل الزنازين، لكن باب السماء لا يستطيع طاغيةٌ أن يغلقه، ودعوة المظلوم تَعْبُرُ الأسوارَ والحراس والحدود، وتصعد إلى من يقول: ﴿وَعِزَّتِي وجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ﴾.

    أيها الأسرى لن ننساكم

    أيها المعتقلون ظلمًا والأسرى في كل مكان، يا من غُيّبت أجسادُكم ولم تغب قضيتُكم، ويا من سُلبت حريتكم ولم تُسلب كرامتكم: لستم منسيين. إن وراء القضبان قلوبًا حرة، وخارجها قلوبًا تحمل وجعَكم، وألسنةً تذكر أسماءَكم، وأيديًا تعمل من أجل حريتكم. وربما طال الليلُ، لكن الليلَ لا يملك إلغاءَ الفجر، وربما اشتد القيدُ، لكنه لا يستطيع أن يجعل الظلم حقًّا، ولا الباطل عدلًا، ولا السجان خالدًا في سلطانه.

    إننا من هذا المؤتمر لا نطلب من الظالمين منحة، بل نطالب بحق؛ ولا نستجدي كرامة، بل نسترد أمانة قررها الله؛ ولا ندافع عن أفراد مجهولين، بل ندافع عن معنى الإنسان في الإنسان، إن حرية المظلوم ليست قضية أسرته وحدها، ولا جماعته وحدها، ولا وطنه وحده؛ إنها قضيةُ كل صاحب ضمير؛ لأن المجتمع الذي يسمح بسلب حرية بريء اليوم، لن يجدَ من يحمي حريةَ أبنائه غدًا.

    فلنجعل من الآن بيننا عهدًا لا مناسبةً مؤقتة، ومن تلك الكلمات عملًا موصولا، ومسارًا ممتدًّا؛ حتى تُفتحَ الزنازين، وتعودَ الوجوهُ الغائبة إلى أمهاتها وآبائها وأزواجها وأبنائها، ويعلم الظالمون أن وراء كل معتقل أمةً لا تنسى، وضميرًا لا ينام، وربًّا لا يَغْفُلُ ولا يَظلم.

    اللهم فك قيد المأسورين قهرًا، وأطلق سراح المعتقلين ظلمًا، وآنس وحشتهم، وثبت قلوبهم، واشف مرضاهم، وارحم من قضى منهم تحت التعذيب والقهر، واحفظ أهلهم وأبناءهم، وخذ بنواصي الظالمين إلى الحق أخذًا جميلًا، فإن أبوا فخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم أقم في أمتنا ميزانَ العدل، واحفظ للإنسان حريتَه وكرامته، واجعلنا أنصارًا للمظلومين، قوّامين بالقسط، لا نخاف في الحق لومة لائم، اللهم آمين آمين آمين!

    ([*]) كلمة مقدمة للمؤتمر الدولي لنصرة المعتقلين: "حتى لا يُنسى المعتقلون... الحرية حق"، الذي أقامته عدة مؤسسات علمائية والمنعقد عبر تقنية أونلاين يوم السبت 25 صفر 1448هـ الموافق 8 أغسطس 2026م.

    الإسلام الحرية كرمنا بني آدم مقصد الشريعة

    مقالات