السبت 12 سبتمبر 2026 01:51 مـ 29 ربيع أول 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    مدارس القدس في مرمى الاحتلال ”معركة على عقول الأجيال وهوية المدينة”

    رابطة علماء أهل السنة

    لا يكتفي الاحتلال بمحاولة تغيير معالم القدس وواقع المسجد الأقصى؛ بل يمد يده إلى المدرسة التي يتعلم فيها الطفل المقدسي، والكتاب الذي يقرأ منه، والمعلم الذي يصوغ وعيه، والمستقبل الذي يتطلع إليه؛ فالمعركة على القدس ليست معركة حجارة ومقدسات وحدها، وإنما هي أيضًا معركة على الإنسان الذي سيحفظ ذاكرتها، ويحمل هويتها، ويدافع عن حقوقها في الأجيال المقبلة.

    من المدرسة إلى الجامعة.. منظومة لإعادة تشكيل المستقبل

    وقد كشف تحقيق «متراس» المنشور في 22 سبتمبر/أيلول 2022، بعنوان «غول مدارس الاحتلال يسرق طلاب القدس»، عن منظومة متدرجة لاستقطاب الطلبة إلى التعليم الإسرائيلي، تقوم على إنشاء مدارس حديثة وتجهيزها، وتقديم مسارات تعليمية ومهنية مغرية، في مقابل التضييق على المدارس الفلسطينية ونقص مواردها، والضغط عليها بالتمويل والترخيص، ومحاولات فرض المناهج الإسرائيلية أو تعديل المناهج الفلسطينية، ولا يقف الأمر عند الكتاب المدرسي؛ بل يمتد إلى ربط الطالب بمسارات جامعية ومهنية ومؤسساتية إسرائيلية، بما يجعل التعليم أداة لإعادة تشكيل علاقته بمدينته ومستقبله.

    وتؤكد تطورات العام الدراسي الجديد 2026–2027 أن هذا المسار لم يتوقف؛ فقد شهدت القدس مطلع سبتمبر/أيلول إضرابًا في المدارس الخاصة والأهلية، بعد منع تجديد تصاريح عدد من المعلمين القادمين من الضفة الغربية، بالتزامن مع توسيع فرض المنهاج الإسرائيلي والتضييق على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، وأكدت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في بيانها الصادر في الأول من سبتمبر الجاري أن حق الطلبة المقدسيين في التعليم ودراسة منهاجهم الوطني حق أصيل، وأن هذه الإجراءات تمس انتظام الدراسة والهوية الوطنية معًا.

    التعليم في ميزان المقاصد.. حفظ العقل والهوية عبر الأجيال

    وهنا تكمن الخطورة المقاصدية: إن الاحتلال لا يسعى إلى تغيير ما يتعلمه الطفل فحسب، بل إلى تغيير المرجعية التي يتعلم من خلالها، والمؤسسة التي ينتمي إليها، والرواية التي يفهم بها تاريخه، والمسار الذي يتصور مستقبله ضمنه، فالمدرسة ليست جدرانًا وصفوفًا؛ إنها مصنع الوعي، ومستودع الذاكرة، والجسر الذي تعبر عليه هوية الأمة من جيل إلى جيل، وقد جعل القرآن العلم سبيلًا إلى الرشد والتمييز، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وإذا أُخضع التعليم لرواية المحتل، فإن الخطر يتجاوز تحريف معلومة تاريخية إلى إعادة تشكيل المفاهيم التي يدرك بها الطفل وطنه ومقدساته وحقوقه.

    ومن منظور مقاصد الشريعة، فإن حماية التعليم المقدسي تتصل بحفظ العقل والدين والكرامة والهوية والحقوق، وبحفظ استمرارية الأمة عبر أجيالها، وقد افتتح الوحي رسالته بالأمر بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، وجعل العلم طريقًا إلى رفعة الإنسان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، وقال النبي ﷺ: "مَنْ سَلَكََ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ"([1]). فالعلم في التصور الإسلامي ليس مجرد وسيلة للكسب، بل طريق لبناء الإنسان وإدراك الحق والقيام بمسؤولية الاستخلاف؛ ومن ثم فإن استهداف التعليم في القدس مساس بأحد أهم شروط بقاء المجتمع وقدرته على صيانة هويته ومستقبله.

    غير أن الإنصاف يقتضي ألا نحمل الأسر المقدسية مسؤولية السياسات التي تضيق خياراتها؛ فكثير من الأهالي يبحثون لأبنائهم عن مدرسة جيدة، أو تعليم أقل كلفة، أو فرصة جامعية ومهنية أفضل، ولا يجوز أن نطالب الأسرة بالصمود التعليمي، ثم نتركها وحدها أمام مدرسة تعاني نقص المعلمين والموارد، وبديل آخر يمتلك المال والتجهيزات والفرص .. إن حماية الهوية لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء تعليم فلسطيني قوي، جيد، ومتاح، يمنح الطفل العلم والمهارة والمستقبل دون أن يضطر إلى دفع هويته ثمنًا لذلك.

    واجب الأمة.. حماية التعليم وبناء البديل

    ومن هنا فإن الواجب الأول على الدول العربية والإسلامية أن تجعل التعليم في القدس مشروعًا استراتيجيًّا دائمًا، لا بندًا موسميًّا في برامج الدعم؛ بتمويل المدارس، وتأهيل المعلمين، وتوفير المباني والتجهيزات والمنح، ودعم المؤسسات التعليمية الفلسطينية، والتحرك السياسي والقانوني لحماية حق الأطفال في تعليم يعبر عن تاريخهم وثقافتهم، وعلى المؤسسات الدولية المعنية بالتعليم وحقوق الطفل أن تتعامل مع منع المعلمين وإغلاق المدارس والضغط على المناهج بوصفها انتهاكات تستوجب المتابعة والمساءلة، لا مجرد صعوبات إدارية، وهذا الواجب لا يقوم على مجرد التعاطف، بل على مقتضى المسؤولية والتكافل؛ فقد قال النبي ﷺ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"([2])، فكل جهة تملك قدرة على حماية تعليم المقدسيين أو تخفيف الضرر عنهم، فإن عليها من المسؤوليةَ بقدر ما تملك من ولاية وقدرة وتأثير.

    وعلى الجامعات والمجامع العلمية والمؤسسات التربوية الإسلامية أن تُسهم في إعداد مواد تعليمية رصينة عن القدس وتاريخها ومقدساتها، وتطوير مناهج تجمع بين الهوية والجودة العلمية والمهارات الحديثة، وتدريب المعلمين، وتوفير برامج تعليمية رقمية ومساندة أكاديمية للطلبة، وعلى العلماء والخطباء أن يبينوا أن حفظ الوعي والهوية من صميم مسؤولية الأمة، وأن نصرة القدس لا تقتصر على حماية المسجد من الاقتحام، بل تشمل حماية الأجيال التي ستعرف مكانته وتحمل أمانته.

    أما المؤسسات المدنية ولجان أولياء الأمور والأسر، فعليها أن تتعاون في دعم المدارس والمعلمين، ومتابعة المناهج، وتوفير البدائل الممكنة، وتعزيز معرفة الأبناء بتاريخ القدس وهويتها ومكانة المسجد الأقصى، دون أن يتحول ذلك إلى تحميل الأطفال أعباء الصراع أو حرمانهم من فرص التعليم الجيد، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن يُربَّى الأبناء على الإيمان والعلم والحق والكرامة، وأن يعرفوا مقدسات أمتهم معرفة واعية لا تقوم على العاطفة المجردة وحدها.

    حماية الأقصى تبدأ أيضًا بحماية عقول أبنائه

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقدس أن ننشغل بحماية حجارتها، ونغفل عن حماية عقول أبنائها، فالمسجد الأقصى يحتاج إلى أجيال تعرف مكانته، والقدس تحتاج إلى إنسان متعلم قادر على البقاء والعمل والدفاع عن حقوقه، وقد قال النبي ﷺ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى"([3]).

    إن كل مدرسة تُصان، وكل معلم يُمكَّن، وكل طفل يُتاح له تعليم يحفظ كرامته وانتماءه، هو خطوة في حماية المدينة من أن يُعاد تشكيلها بعيدًا عن أهلها وتاريخها؛ فلا يكفي أن نُعلّم أبناءنا أن الأقصى لنا؛ بل يجب أن نُعين أبناء القدس على أن يبقوا في مدينتهم، ويتعلموا فيها، ويعرفوا تاريخها، ويملكوا القدرة على حماية مقدساتها وصناعة مستقبلها.

    --------------------------------------------------------------------

    ([1])رواه مسلم (2699).

    ([2])متفق عليه؛ رواه البخاري (893)، ومسلم (1829).

    ([3])متفق عليه؛ رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397).

    مدارس الأقصى مرمى الاحتلال الهوية معركة القدس

    مقالات