الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 02:23 مـ 18 ربيع أول 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    سيد قطب بين ذكريين: 120 عامًا على الميلاد و60 عامًا على الاستشهاد

    رابطة علماء أهل السنة

    مرّت بيوم 29 أغسطس 2026م ستون عامًا على استشهاد المفكر الإسلامي الكبير سيد قطب، الذي أُعدم فجر التاسع والعشرين من أغسطس سنة 1966م، بعد رحلة حافلة بالفكر والأدب والدعوة والمعاناة، وبعد أن تحولت الكلمة في حياته من فكرة تُكتب إلى موقف يُعاش، ومن رؤية تُسطَّر في الكتب إلى شهادة يدفع صاحبها ثمنها من حياته.

    وتكتسب الذكرى هذا العام دلالةً خاصة؛ فعام 2026م لا يشهد مرور ستين عامًا على استشهاده فحسب، بل يشهد كذلك مرور مئة وعشرين عامًا على ميلاده سنة 1906م. وكأننا نقف أمام ميزان عجيب في سيرة الرجل: نحو ستين عامًا عاشها بجسده وفكره وقلمه ومواقفه، وستون عامًا أخرى مضت منذ غياب جسده، بينما بقيت كلماته وأفكاره حاضرة في ساحة الفكر والدعوة والقرآن.

    مئة وعشرون عامًا على الميلاد، وستون عامًا على الاستشهاد؛ ومع ذلك ما يزال سيد قطب حاضرًا: تُقرأ كتبه، وتُناقش أفكاره، وتُترجم آثاره، ويتجادل الناس حول مشروعه، ويعود إليه الباحثون والدعاة والمفكرون، موافقين ومخالفين. بل لعل العقود الستة التي مضت بعد رحيله قد حملت كتبه وأفكاره إلى أقطار ولغات وأجيال لم يكن له أن يبلغها في حياته. وتلك إحدى العلامات التي تكشف قيمة المفكرين الكبار؛ فليس المعيار أن يكثر الحديث عن الإنسان في حياته، وإنما أن تظل أفكاره بعد رحيله قادرة على إثارة الأسئلة، وتحريك العقول، وصناعة الوعي، وأن يبقى حضوره الفكري عصيًّا على أن تطويه السنون.

    وكان سيد قطب نفسه كأنه يستشرف شيئًا من هذا المصير حين قال كلمته الشهيرة: «إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح، وكُتبت لها الحياة». وقد كُتبت الحياة لكثير من كلماته؛ لأنها لم تكن ترفًا فكريًّا، ولا صناعة أدبية باردة، وإنما كانت عصارة عقل مفكر، وقلب يحمل همَّ أمة، وروح تتطلع إلى استعادة فاعلية الإسلام في الحياة. ولعله من المفارقات ذات الدلالة أن نقرأ هذه الكلمات اليوم، بعد ستين عامًا كاملة من رحيل صاحبها، فنجد أن الزمن نفسه قد أقام شاهدًا على معناها: مات صاحب الكلمات، ولم تمت الكلمات؛ وغاب الجسد، وبقي الأثر.

    مشروع فكري تربت عليه أجيال

    ولا يصح أن تُختزل تجربة سيد قطب في سجنه وإعدامه، ولا في عدد محدود من المصطلحات التي استُخرجت من بعض كتبه المتأخرة؛ فالرجل ترك مشروعًا فكريًّا وقرآنيًّا وأدبيًّا واسعًا، مر بمراحل من التطور والنضج والمراجعة، وأسهم في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر على نحو لا يستطيع مؤرخ منصف للفكر الإسلامي الحديث أن يتجاهله.

    يكفي أن نتأمل كتبًا من قبيل «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته»، و «هذا الدين»، و«المستقبل لهذا الدين»، لنرى محاولة جادة لبناء رؤية كلية للإسلام: رؤيته لله والكون والإنسان والحياة، وطبيعة هذا الدين، ومنهجه في إنشاء الإنسان والمجتمع، وقدرته على صناعة الحضارة وتوجيه حركة التاريخ.

    هذه الكتب لم تبق حبيسة بيئتها المصرية، وإنما عبرت الحدود، وتربت عليها أجيال من أبناء الصحوة الإسلامية، وانتفع بها علماء ودعاة ومفكرون في أقطار شتى، وتُرجمت مؤلفات سيد قطب إلى لغات عديدة، حتى غدا واحدًا من أكثر المفكرين الإسلاميين المعاصرين حضورًا خارج المجال العربي. وليس معنى هذا أن كل ما كتبه قطب حق لا يأتيه الخطأ؛ فذلك لا يُقال في عالم ولا مفكر بعد رسول الله ﷺ، وإنما المقصود أن مشروعًا بهذا الاتساع والتأثير لا يجوز اختزاله في خصومة سياسية، ولا محاكمته من خلال عبارات منتزعة من سياقاتها، كما لا يجوز أن يمنعنا إعجابنا بصاحبه من النظر العلمي الناقد فيما أصاب فيه وما أخطأ.

    «في ظلال القرآن».. رحلة حياة في رحاب الوحي

    وإذا تركنا هذه المؤلفات كلها جانبًا، ووقفنا أمام »في ظلال القرآن« وحده، فإننا نكون أمام أثر استثنائي في تاريخ التعامل الحديث مع كتاب الله تعالى.

    ليس «الظلال» تفسيرًا تقليديًّا بالمعنى الاصطلاحي المألوف، كما أنه ليس كتابًا في اللغة وحدها، ولا في الفقه وحده، ولا في العقيدة وحدها، ولا في الدعوة والحركة وحدهما؛ وإنما هو تجربة مركبة امتزج فيها التذوق الأدبي بالنظر الفكري، والتربية الإيمانية بالوعي الاجتماعي، وفقه الواقع باستلهام هدايات الوحي.

    ولهذا حار الباحثون في تصنيفه: أهو تفسير أدبي؟ أم اجتماعي؟ أم حركي؟ أم دعوي؟ أم تربوي؟ أم تفسير موضوعي ذو رؤية كلية؟ ولعل صعوبة إدخاله في قالب واحد من دلائل فرادته؛ فقد صنع صاحبه لنفسه مسارًا خاصًّا في صحبة القرآن.

    لقد عاش سيد قطب في ظلال القرآن قبل أن يكتب «في ظلال القرآن». لم يكن يتعامل مع الآيات بوصفها نصوصًا تاريخية تُشرح ألفاظها ثم يُنتقل عنها، وإنما كان يتملاها ويستنطق هداياتها، ويحاول أن يرى العالم من خلالها، وأن ينزل بتوجيهاتها على الإنسان والمجتمع والحياة.

    وكان يرى الفجوة الهائلة بين نور القرآن وواقع الأمة؛ بين الإنسان الذي يريد القرآن إنشاءه والإنسان الذي صنعته نظم الاستبداد والتبعية؛ وبين المجتمع الذي تقيمه قيم الوحي والمجتمعات التي تتحكم فيها الشهوات والمصالح والقوى المتغلبة. ولذلك كان «الظلال» في جانب كبير منه محاولة لاستعادة فاعلية القرآن في صناعة الحياة، لا مجرد شرح معانيه.

    ومن هنا جاءت حرارة الكتاب. فأنت لا تقرأ فيه معلومات عن القرآن فحسب، وإنما تصاحب إنسانًا يعيش مع القرآن، وينفعل به، ويستمد منه معايير النظر إلى الوجود والإنسان والمجتمع، حتى أصبحت بعض مقدمات السور والمقاطع فيه قطعًا فكرية وأدبية وتربوية قائمة بذاتها.

    وقد أودع سيد قطب في «الظلال» عصارة تجربته وخلاصة فكره؛ ولهذا بقي الكتاب واحدًا من أبرز كتب التفسير في العصر الحديث، ومن أكثرها تأثيرًا وانتشارًا وإثارة للنقاش، وأحسبه درةً في تاج التفسير المعاصر، وتجربة فريدة في تاريخ التعامل مع القرآن الكريم.

    لماذا أخاف فكرُه المستبدين؟

    ولم يكن سيد قطب يريد لهذا القرآن أن يبقى جمالًا يُتذوق في المحاريب، بينما تتحكم في حياة الناس منظومات الظلم والاستبداد. كانت فكرته المركزية أن التوحيد ليس قضية كلامية مجردة، بل هو تحرير للإنسان؛ فمن وحّد الله حقًّا تحرر قلبه من عبودية البشر، ولم يمنح طاغية حقًّا من حقوق الله، ولم يجعل خوفه على حياته أثمن من الحق الذي يؤمن به.

    ومن هنا كانت فكرة التغيير الجذري في مشروعه مقلقة للمستبدين؛ لأنه لم يكن يرى الإصلاح مجرد تحسين لبعض مظاهر واقع فاسد، وإنما كان يتطلع إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع وفق هداية الوحي، وتحرير الإنسان من كل عبودية تناقض عبوديته لله تعالى.

    وهنا نفهم دلالة الكلمة التي اشتهرت عنه في رفض أن يكتب تأييدًا لطاغية، وأن السبابة التي تشهد لله بالوحدانية في الصلاة لا تكتب كلمة تقر بها حكم الطغيان. سواء نظرنا إليها بوصفها عبارةً تختصر موقفه أو رمزًا التصق بسيرته، فإنها تعبّر بصدق عن الصورة التي عاش بها سيد قطب أيامه الأخيرة: أن للكلمة ثمنًا، وأن الإيمان إذا لم يتحول إلى موقف فقد يفقد كثيرًا من معناه في الحياة.

    بين النقد والتشويه

    ومن أعجب ما يكشفه مرور ستين عامًا على رحيله أن الهجوم على سيد قطب لم يتوقف، كما لم يتوقف الإقبال عليه. ولا مشكلة في النقد؛ بل إن سيد قطب نفسه أحوج ما يكون إلى دراسات علمية جادة تدرس تطور فكره ومصطلحاته ومواقفه وسياقاته، وتبين ما له وما عليه. ولكن هناك فرقًا بعيدًا بين النقد والتشويه، وبين المراجعة العلمية ومحاكمة الرجل بخصومة مقررة سلفًا.

    إن الأقزام لا تصير عمالقة بالطعن في القمم، كما أن القمم لا تفقد ارتفاعها لأن حجارة رُميت نحوها. ومن أراد أن ينقد سيد قطب فليقرأه أولًا، وليقرأ مراحل فكره، وسياق محنته، ومجموع آثاره، ثم يناقشه بعلم وعدل. أما اختزال الرجل كله في عبارة، أو مصطلح، أو صفحة، ثم إسقاط عشرات الكتب وآلاف الصفحات وعقود التأثير الفكري والدعوي والتربوي؛ فليس نقدًا علميًّا، وإنما هو اختزال يعجز عن تفسير ظاهرة سيد قطب نفسها: لماذا بقي الرجل حاضرًا بعد ستين عامًا من موته؟

    إن كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان

    لقد قال سيد قطب يومًا»: إن كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان.« ولعل سيرته كانت تفسيرًا عمليًّا لهذه الكلمة. لقد أكلت الفكرة من عمره وراحته وحريته، ثم اقتاتت في النهاية حياته نفسها. ويمكن أن نختلف معه في فكرة، أو مصطلح، أو اجتهاد، ولكن يصعب أن ننكر أنه كان من أولئك الذين عاشوا لما كتبوا، ثم تحملوا ثمن ما آمنوا به.

    وهنا تكمن العبرة التي ينبغي أن نستعيدها في الذكرى الستين لاستشهاده: ليست القضية أن نصنع من سيد قطب شخصية فوق النقد، ولا أن نحول ذكراه إلى مناسبة عاطفية تتكرر كل عام، وإنما أن نستعيد قيمة المفكر صاحب الرسالة، وقيمة العالم الذي لا يبيع كلمته، وقيمة المثقف الذي لا تتحول معرفته إلى وظيفة في خدمة القوة والسلطان، وقيمة القرآن حين يعود مصدرًا لتكوين الوعي وصناعة الإنسان وتوجيه حركة المجتمع.

    لقد مات سيد قطب، ولكن السؤال الذي حمله لم يمت: كيف يستعيد الإسلام فاعليته في بناء الإنسان والحياة؟ وكيف يتحول القرآن من كتاب نتبرك بتلاوته إلى هداية تصوغ الإنسان، وتبني القيم، وتحرر الإرادة، وتقيم العدل، وتصنع الأمة الشاهدة؟

    وبقدر ما يبقى هذا السؤال قائمًا، ستبقى جوانب من فكر سيد قطب جديرة بالقراءة والمناقشة والاستلهام والنقد.

    ستون عامًا مضت؛ غاب الجسد، وبقيت الكلمة، وبقي «الظلال»، وبقيت الأسئلة التي دفع صاحبها حياته ثمنًا لها.

    رحم الله سيد قطب رحمة واسعة، وغفر له ما أخطأ فيه، وأجزل له المثوبة فيما أصاب وأحسن، وجزاه عن كتاب الله ودعوته وفكره خير الجزاء. ولْنقرأه كما ينبغي أن يُقرأ كبار المفكرين: لا بعصمة المحبين، ولا بخصومة الكارهين، وإنما بعين العلم والعدل والإنصاف.

    سيد قطب ذكرى صاحب الظلال ميلاد استشهاد القران

    مقالات