الأحد 27 سبتمبر 2026 10:05 مـ 14 ربيع آخر 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    وحدة الأمة الإسلامية في فكر الإمام يوسف القرضاوي

    رابطة علماء أهل السنة

    لم تكن وحدة الأمة الإسلامية في فكر الإمام يوسف القرضاوي رحمه الله حلما يراود الخيال، ولا شعارا تردده المنابر، بل كانت هما يسكن وجدانه، وغاية تتضافر لتحقيقها اجتهاداته الفقهية وجهوده الإصلاحية.
    فالأمة التي يوحدها كتاب واحد ورسول واحد وقبلة واحدة، لا يليق بها أن تستنزف قواها في الخصومات، أو تجعل من اختلاف مذاهبها أسوارا تحول دون ائتلاف قلوبها وتكامل جهودها. ومن هذا المنطلق، سعى إلى تأصيل الوحدة شرعيا وفكريا، وتذليل عقباتها، والارتقاء بها من رحاب الفكرة إلى ميادين العمل.

    أولا: الوحدة فريضة شرعية وضرورة حضارية

    انطلق الإمام القرضاوي في رؤيته لوحدة الأمة من هدي القرآن الكريم، الذي جعل الاعتصام بحبل الله أساسا لاجتماع المسلمين، وحذر من التنازع الذي يبدد قوتهم ويذهب بريحهم.
    قال تعالى:
    ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾[آل عمران: 103].
    وقال سبحانه:
    ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ [الأنفال: 46].
    وفي ضوء هذه التوجيهات القرآنية، نظر الإمام القرضاوي إلى الوحدة بوصفها فريضة دينية وضرورة حضارية، لا يستقيم بناء الأمة من دونها، ولا تتكامل جهودها في غيابها.
    وقد أفرد في كتابه الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم حديثا عن الاتحاد والترابط بوصفهما فريضة دينية مؤكدا أن التفرق ليس قدرا محتوما لا سبيل إلى تجاوزه، بل داء يمكن معالجة أسبابه متى توافرت الإرادة، واستقام المنهج، وحضر الوعي بمقاصد الشريعة. فالوحدة في هذا التصور ليست ترفا فكريا، ولا استجابة عابرة لتقلبات السياسة، وإنما هي مقتضى الأخوة الإيمانية، وسياج المصالح المشتركة، وأحد الأسس التي يقوم عليها عمران الأمة ونهضتها.


    ثانيا: وحدة تجمع ولا تلغي، وتؤلف ولا تصادر


    من أبرز معالم المشروع الفكري للإمام القرضاوي أنه لم يجعل الوحدة مرادفة لإلغاء الاختلاف، ولم يتصور اجتماع المسلمين في صورة جامدة تتطابق فيها العقول والآراء والاجتهادات.
    فالاختلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية في نظره أمر تقتضيه طبيعة الفهم البشري، وتفاوت المدارك، وتنوع البيئات والظروف، واختلاف مناهج الاستنباط. وإنما يبدأ الخطر حين يغادر الاختلاف ميدانه العلمي، ويتحول إلى خصومة تستحكم في النفوس، وعصبية تستولي على العقول، وعداوة تمزق أواصر الأخوة.
    وقد عالج هذه القضية في كتابه الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم مميزا بين اختلاف تتسع له الشريعة وتحتمله مناهج الاجتهاد، وتفرق يفضي إلى التباغض والتنازع. كما بين أن تعدد الجماعات العاملة للإسلام يمكن أن يكون تعدد تنوع وتخصص، لا تعدد تعارض وتناقض، إذا قامت العلاقات بينها على التعاون والتنسيق. ومن هذا المنطلق، تتجلى الوحدة المنشودة في صورة رحبة، لا تضيق بتعدد المذاهب، ولا تنكر تنوع المدارس، ولا تصادر حق الاجتهاد، وإنما تجمع ذلك كله في إطار من الأخوة والاحترام والتكامل. إنها وحدة تتسع للاختلاف دون أن تستسلم للفرقة، وتحفظ التنوع دون أن تجعله ذريعة للتناحر.

    ثالثا: فقه الاختلاف طريق إلى ائتلاف القلوب


    لم يكتف الإمام القرضاوي بتشخيص داء الفرقة، بل سعى إلى تأصيل منهج علمي يضبط الخلاف، ويهذب آدابه، ويحول دون انقلابه إلى صراع يستنزف طاقات الأمة.
    وقد ربط فقه الاختلاف بفقه المقاصد والأولويات والسنن والموازنة بين المصالح والمفاسد إدراكا منه أن كثيرا من الخصومات تنشأ حين تختل موازين النظر، وتختلط مراتب الأحكام، وتقدم المسائل الجزئية على المقاصد الكلية.
    وفي ضوء هذا المنهج، لا يجوز أن يتحول الاجتهاد إلى باب للطعن في النيات، أو أن يصبح الانتصار للرأي غاية تطغى على طلب الحق، أو أن يجعل الاختلاف في مسألة ظنية سببا لهدم جسور المودة بين المسلمين. فليس كل خلاف مدعاة للخصومة، ولا كل مخالف خصما ينبغي إقصاؤه، ولا كل اجتهاد مغاير خروجا عن جماعة المسلمين. وهكذا يغدو فقه الاختلاف في مشروعا للإمام القرضاوي أكثر من مبحث فقهي، إنه تربية للعقل على الإنصاف، وللنفس على التواضع، وللقلب على سعة الصدر. ومن هذه التربية تنشأ ثقافة الائتلاف حيث تتجاور الاجتهادات دون تناحر، وتتعدد الآراء دون تقاطع، وتتلاقى الجهود عند المصالح الجامعة.

    رابعا: الوسطية جسر يصل بين أطراف الأمة


    احتلت الوسطية مكانة محورية في المشروع الفكري للإمام القرضاوي، واتصلت اتصالا وثيقا بتصوره لوحدة المسلمين.
    فقد سعى من خلالها إلى تجاوز النزعات المتقابلة بين الغلو والتفريط، والجمود والانفلات، والانغلاق والذوبان مؤكدا أن الوسطية التي يدعو إليها لا تختص ببلد دون بلد، ولا تحتكرها جماعة أو مدرسة بعينها. وفي هذا الأفق، تبدو الوسطية منهجا يفتح أبواب اللقاء بين المدارس الإسلامية، ويحول دون استئثار اتجاه واحد بتمثيل الإسلام كله، ويعيد الخلافات إلى موازين العلم والعدل. فحين يضيق الأفق، تستحكم العصبيات، ويتحول التنوع إلى تنازع، وحين تتسع الرؤية، وتستقيم الموازين يصبح الاختلاف مجالا للتعارف والتكامل. ومن هنا، يمكن قراءة الوسطية عند الإمام القرضاوي بوصفها إطارا جامعا يوازن بين الثبات على الأصول والانفتاح على الاجتهاد، وبين صيانة الهوية الإسلامية واحترام التنوع داخل الأمة.

    خامسا: الانتماء إلى الأمة فوق العصبيات الضيقة


    رأى الإمام القرضاوي أن من معوقات الوحدة أن يستغرق المسلم في انتمائه المذهبي أو التنظيمي حتى يضيق أفقه عن استيعاب سائر المسلمين، وأن تتحول الجماعة من وسيلة للعمل والإصلاح إلى غاية تستأثر بالولاء، وتحتكر الصواب، وتخاصم من خالفها.
    وقد انتقد انشغال بعض العاملين للإسلام بإثارة الخلافات وتبادل الاتهامات، وتقديم مواضع النزاع على مساحات الاتفاق.
    ولم يكن مقتضى هذا النقد إلغاء المذاهب أو الجماعات، وإنما إعادة الانتماءات الجزئية إلى موضعها الصحيح في إطار الانتماء الجامع إلى الأمة.
    فالمذاهب مدارس للعلم والاجتهاد، والجماعات وسائل للعمل والتنظيم، والمؤسسات ميادين للخدمة والعطاء، ولا ينبغي أن تتحول هذه الوسائل إلى حواجز تعزل المسلمين بعضهم عن بعض. إن الأمة أرحب من أن تختزل في جماعة، وأوسع من أن يحصرها مذهب، وأعظم من أن تبدد وحدتها خصومة بين أتباع المدارس والاتجاهات. وعلى هذا الأساس، يصبح تعدد الجهود مصدر ثراء حين تتكامل، ومصدر ضعف حين تتنازع، ويغدو معيار نجاح العمل المشترك مقدار ما يحققه من مصالح عامة، لا مقدار ما يحرزه كل طرف من غلبة على الآخرين.

    سادسا: العلماء من حراسة العلم إلى جمع الكلمة


    لم تكن دعوة الإمام القرضاوي إلى الوحدة مقصورة على التنظير والتأليف، بل امتدت إلى ميدان العمل المؤسسي، حيث تتلاقى جهود العلماء وتتضافر طاقاتهم لخدمة القضايا المشتركة. وتبرز في هذا السياق تجربته في تأسيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتولي رئاسته التأسيسية. وقد نص الميثاق الإسلامي للاتحاد على قبول الاختلاف في فروع الدين مع الالتزام بآدابه، ورفض تحويله إلى صراع وتناقض، والدعوة إلى اجتماع المسلمين في قضاياهم الكبرى.
    وتعكس هذه المبادئ تصورا يجعل من العلماء قوة علمية وأخلاقية تسعى إلى تقريب وجهات النظر، وترشيد الخلاف، وتوجيه الطاقات نحو المصالح الجامعة. فالعالم لا تنحصر مسؤوليته في بيان الحكم الشرعي فحسب، بل تمتد إلى مراعاة مآلات الخطاب، وحفظ روابط الأخوة، وتقديم النصح الذي يجمع ولا يمزق، ويصلح ولا يفسد. ومن هنا، يمكن فهم العمل المؤسسي في مشروع الإمام القرضاوي بوصفه محاولة للانتقال بالوحدة من دائرة الوعظ الفردي إلى رحاب التعاون المنظم حيث تتلاقى المدارس العلمية المختلفة على خدمة الإسلام والمسلمين دون أن تفقد خصوصياتها الاجتهادية.

    سابعا: من وحدة المشاعر إلى وحدة العمل والمصير


    لم يحصر الإمام القرضاوي الوحدة في عاطفة تتأجج عند المحن، ثم تخبو بانقضائها، ولا في كلمات تتردد في المؤتمرات، ثم تنقطع آثارها عند انتهاء المجالس. بل دعا إلى تكامل جهود الجماعات العاملة للإسلام، وتنسيق مواقفها في القضايا المشتركة، وتجاوز الخصومات التي تعطل التعاون وتبدد الطاقات. وفي ضوء هذا التصور، لا تكتمل الوحدة بمجرد الشعور بالأخوة، بل تحتاج إلى مؤسسات تتعاون، وعقول تتشاور، وجهود تتكامل، ومصالح مشتركة تحظى بما تستحقه من عناية. فالتعاون في ميادين العلم والتعليم والدعوة والإغاثة، وتبادل الخبرات بين المؤسسات، وتنسيق الجهود في مواجهة المشكلات العامة كلها آفاق عملية يمكن أن تتجسد فيها معاني الوحدة. وليس المقصود أن تتلاشى الفوارق بين الدول والمجتمعات، أو أن تختفي اختلافات المصالح والظروف، وإنما أن تتوافر إرادة التعاون، وأن تدار الخلافات بالحوار، وأن تتقدم المصالح الجامعة على الخصومات التي لا طائل وراءها. وبذلك تنتقل الوحدة من حرارة الوجدان إلى حركة الواقع، ومن جمال الشعار إلى مسؤولية الإنجاز.

    ثامنا: عوائق الوحدة بين داء التعصب وغياب فقه الأولويات


    كشف الإمام القرضاوي في معالجته لقضية الاختلاف عن جملة من العوائق التي تحول دون اجتماع المسلمين، وفي مقدمتها التعصب المذهبي والتنظيمي، والغلو في الحكم على المخالف، والجهل بمراتب الأحكام، وتقديم المسائل الجزئية على القضايا الكبرى.
    وقد انتقد ما يفضي إليه هذا الخلل من انشغال بعض العاملين للإسلام بخصوماتهم الداخلية، واستنزاف جهودهم في تبادل الاتهامات بدلا من توجيهها إلى ميادين البناء والإصلاح.
    ولم يكن العلاج في تصوره قائما على إخفاء الخلافات أو إسكات أصحابها، بل على ردها إلى أصولها العلمية، وضبطها بآدابها الشرعية، والنظر إليها في ضوء المقاصد والمصالح والمآلات. فحين تعطى المسائل أحجامها الحقيقية، وتعرف مراتب الواجبات، وتراعى المصالح العامة، تتراجع الخصومات التي تنشأ من اختلال الأولويات. غير أن تحقيق الوحدة يظل مهمة تتجاوز إصلاح الخطاب الديني وحده، إذ تتداخل فيها المصالح السياسية، والظروف الاقتصادية، وتعدد المرجعيات، وتفاوت أوضاع المجتمعات الإسلامية. ومن ثم، فإن الانتقال من وحدة المقصد إلى وحدة العمل يستدعي اجتهادا متجددا في الوسائل، وحوارا مستمرا بين الأطراف، وقدرة على التوفيق بين المصالح المشتركة والخصوصيات المشروعة.

    تتجلى وحدة الأمة في فكر الإمام يوسف القرضاوي في مشروع إصلاحي تتعانق فيه أصالة النص مع فقه الواقع، ويتآلف فيه تنوع الاجتهاد مع وحدة المقصد، وتغدو الأخوة الإيمانية جسرا للتعاون وتكامل الجهود.
    فالوحدة لا تشيد بإلغاء التنوع، ولا تصان بمحو الاختلاف، بل بتهذيب النفوس، وترشيد العقول، وإرساء دعائم الإنصاف. إنها وحدة تنبع من صفاء القلوب، وتستنير بحكمة العقول، وتؤتي ثمارها في ميادين العمل والعطاء.

    -----------------------------------------------------------------------

    المراجع:
    ١. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم.
    ٢. الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأولويات.
    ٣. الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف.
    ٤. الدكتور يوسف القرضاوي، أمتنا الإسلامية بين التفرق الممنوع والاختلاف المشروع.
    ٥. الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

    وحدة الأمة الإسلامية الإمام القرضاوي الوسطية
    ⇧

    مقالات