الأقصى بين البراق وباب الرحمة.. حصار الطقوس والرواية والسيادة
ليست الأخبار المتلاحقة من القدس في هذه الأيام أخبارًا متفرقة يجمعها تزامنُها مع موسم الأعياد اليهودية فحسب؛ وإنما تبدو، عند وضع بعضها إلى جوار بعض، أجزاء من مشهد واحد يشتد إحكامه حول المسجد الأقصى المبارك؛ فمن الغرب، احتشد الآلاف عند حائط البراق، ودخل بنيامين نتنياهو برفقة زوجته سارة إلى أنفاق الحائط متحدثًا عن «صخرة وجودنا» و«قدس الأقداس» ومؤكدًا البقاء في المكان؛ ومن الشرق تتكرر الطقوس اليهودية في محيط مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور الأقصى؛ وفي الداخل تتصاعد الاقتحامات والصلوات والطقوس الجماعية، حتى أعلنت محافظة القدس أن 796 مستوطنًا اقتحموا المسجد خلال الفترة الصباحية من يوم الأحد 20 سبتمبر/أيلول تحت حماية الشرطة، وإذا كان الخطأ أن نخلط بين هذه المواقع والوقائع، فإن الخطأ الأكبر أن نفصل بينها فلا نرى الاتجاه العام الذي تتحرك فيه جميعًا.
نتنياهو في الأنفاق.. السياسة تستدعي الرواية الدينية
في الليلة السابقة لما يسمى «يوم الغفران»، لم يكتف نتنياهو بالمشاركة في المشهد الديني عند ساحة البراق، بل دخل مع زوجته أحد أنفاق الحائط، ونشر بنفسه صورًا ومقاطع من الزيارة، وقال إن من المؤثر أن يلمس ما وصفه بـ«صخرة وجودنا»، وإنه قريب من «قدس الأقداس»، مضيفًا: «نحن هنا وسنبقى دائمًا هنا». وهذه الكلمات لا ينبغي أن تمر بوصفها انفعالًا دينيًّا عاديًّا لرئيس حكومة في مناسبة دينية؛ فاللغة التي يستخدمها رئيس السلطة السياسية، والمكان الذي يختاره لإطلاقها، والسياق الذي تأتي فيه، كلها تمنحها دلالة سياسية تتجاوز الزيارة الشخصية.
فالسياسة هنا تستدعي الرواية الدينية لتثبيت خطابها عن المكان، والرواية الدينية تستند بدورها إلى قوة الدولة ومؤسساتها وحضور رئيس حكومتها؛ ولهذا فإن عبارة «صخرة وجودنا» بالغة الدلالة؛ لأنها تنقل المكان من دائرة التدين الفردي إلى دائرة تعريف الهوية والوجود السياسي، وعندما يربط رئيس حكومة وجود دولته بصخرة في هذا الموضع الحساس، ويتحدث من الأنفاق عن «قدس الأقداس»، بينما تتصاعد فوق الأرض مطالب جماعات «الهيكل» بتوسيع الصلاة والطقوس وأيام الاقتحام داخل الأقصى، فإن من المشروع أن يُقرأ هذا الخطاب ضمن الصراع الأوسع على هوية المكان وروايته ومستقبله، لا باعتباره مجرد جملة دينية قيلت في ليلة احتفال.
وهنا ينبغي التمييز بدقة: ساحة حائط البراق ليست ساحات المسجد الأقصى، ولا يصح أن نجعل تجمع الآلاف عندها مساويًا لاقتحام الأقصى نفسه؛ فالدقة في قضية بهذه الحساسية جزء من قوة حجتنا، لا قيد عليها، لكن هذه الدقة نفسها لا تمنعنا من قراءة الدلالة السياسية للحدث، خصوصًا عندما يقترن وجود رئيس الحكومة في أنفاق البراق بخطاب يربط المكان بالوجود والهوية و«قدس الأقداس»، في الوقت الذي يدور فيه صراع متصاعد حول الوضع التاريخي والقانوني للأقصى.
باب الرحمة.. الضغط يأتي من الشرق أيضًا
وعلى الطرف الشرقي من المسجد، تتكرر في الأسابيع الأخيرة الطقوس اليهودية عند مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور الأقصى. وقد وثقت وكالة «وفا» ومحافظة القدس في وقت سابق من هذا الشهر أداء جماعات من المستوطنين طقوسًا دينية ونفخ «الشوفار» بمحاذاة قبور المسلمين، وحذرت محافظة القدس من أن تكرار هذه الممارسات يتجاوز الطابع الموسمي، وقد يمهد ـ بحسب تقديرها ـ لتحويل المنطقة إلى نقطة صلاة يهودية متكررة. وقد تعزز هذا القلق مع الحملات التي تروج لرواية دينية خاصة بالجهة الشرقية من الأقصى وباب الرحمة تحديدًا.
ومن هنا تكتسب الأنباء عن دخول مستوطنين إلى مقبرة باب الرحمة عشية «يوم الغفران» وأدائهم طقوسًا فيها معنى يتجاوز الاعتداء على حرمة المقابر الإسلامية، على فداحة ذلك في ذاته. فالمنطقة الشرقية للأقصى لم تعد هامشًا في المشهد؛ بل أصبحت إحدى نقاط التركيز في الصراع على المكان، وهو ما حذرت منه تقارير حديثة ربطت بين تكثيف الطقوس عند باب الرحمة ومحاولات إضفاء طابع ديني يهودي متكرر على هذه المنطقة.
وللمقابر في الشريعة حرمة لا تنقطع بالموت؛ فالإنسان مكرم حيًا وميتًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كسر عظم الميت ككسره حيًّا". [رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه جماعة من أهل الحديث]. فكيف إذا اجتمعت حرمة الموتى إلى حرمة المكان، ثم أُدخلت المقبرة نفسها في صراع ديني وسياسي يراد له أن يعيد تعريف المنطقة المحيطة بالأقصى؟
وفي الداخل.. الطقس يتحول إلى مشهد جماعي
أما داخل المسجد نفسه، فقد شهد صباح الأحد تصاعدًا لافتًا في أعداد المقتحمين بالتزامن مع «يوم الغفران»، وكانت الأرقام تتزايد مع استمرار فترة الاقتحامات؛ إذ تحدثت تقارير مبكرة عن نحو 570 مقتحمًا، ثم أعلنت محافظة القدس وصول العدد في الفترة الصباحية إلى 796 مستوطنًا تحت حماية الشرطة، كما أظهرت مقاطع نشرتها جهات إسرائيلية تجمعات وصلوات وطقوسًا جماعية، وتحدثت تقارير صحفية عن الرقص والغناء خلال الاقتحامات.
وهذا التطور ينبغي أن يوضع إلى جوار ما وقع قبل أسبوع واحد فقط، عندما تحدثت تقارير إسرائيلية عن نفخ «الشوفار» عشرات المرات داخل الأقصى، وما سبقه ولحقه من اتساع الصلاة الجماعية وإدخال الأدوات والكتب الدينية؛ فالمشكلة لم تعد أعدادًا تدخل وتخرج، وإنما نوع الحضور الذي يُراد تثبيته داخل المسجد، ثمة فرق جوهري بين زيارة مكان وبين تحويل الزيارة بالتدرج إلى ممارسة دينية جماعية متكررة، لها طقوسها وأدواتها وأزمنتها ومطالبها السياسية والقانونية.
وهنا يظهر مرة أخرى معنى التهويد الطقوسي الذي أِرنا له في مقال سابق، والذي ينبغي أن يحتل موقعًا مركزيًّا في فهم ما يجري؛ فالتغيير الديني للمكان لا يحتاج بالضرورة إلى هدم بنائه؛ يكفي أحيانًا أن تتغير وظائفه بالتدريج، وأن تدخل إليه شعائر جديدة، ثم تتكرر، ثم تحظى بالحماية، ثم يُحتج بتكرارها للمطالبة بالاعتراف بها، وهكذا يصبح ما كان يُنظر إليه في بدايته بوصفه خرقًا للوضع القائم مادةً لبناء وضع قائم جديد.
من الغرب والشرق والداخل.. دائرة تضيق حول الأقصى
وحين نجمع هذه الوقائع تتضح الصورة أكثر: عند البراق غربًا خطاب سياسي وديني عن «صخرة الوجود» و«قدس الأقداس»؛ وعند باب الرحمة شرقًا طقوس متكررة ومحاولات لتكوين نقطة حضور ديني؛ وفي ساحات الأقصى نفسها اقتحامات بالمئات وصلوات وطقوس جماعية متزايدة، ليست المواقع واحدة، ولا الأحكام القانونية والتاريخية المتعلقة بكل منها متماثلة، لكن تزامن هذه التطورات واتجاهها يبرران النظر إليها بوصفها حلقات في صراع أوسع على القدس ومقدساتها، وعلى تفسير المكان وتحديد وظائفه ومن يمتلك سلطة تعريفه.
وهنا يصبح الصراع على الرواية جزءًا من الصراع على المكان؛ فنتنياهو لا يدخل النفق صامتًا، وإنما يصطحب معه تفسيرًا للتاريخ؛ وجماعات «الهيكل» لا تدخل الأقصى بوصفها مجموعات سياحية فحسب، وإنما تحمل معها تصورًا دينيًا لما ينبغي أن يكون عليه المكان؛ والطقوس عند باب الرحمة لا تقدم نفسها بوصفها تجمعًا عاديًّا، وإنما تُربط بسردية دينية حول الجهة الشرقية، وهكذا تتداخل الحجارة والرواية، والطقس والسياسة، والتاريخ والقوة، في محاولة لإنتاج واقع جديد يكتسب شرعيته المزعومة من تكراره على الأرض.
وهذه نقطة بالغة الأهمية: الاحتلال لا يحتاج فقط إلى السيطرة على المكان؛ إنه يحتاج كذلك إلى إنتاج قصة تبرر تلك السيطرة؛ ولهذا فإن الدفاع عن الأقصى ليس دفاعًا عن مساحة جغرافية مجردة، بل عن هوية تاريخية ودينية وقانونية، وعن ذاكرة لا ينبغي أن يُسمح للقوة العسكرية والسياسية بإعادة كتابتها وفق موازين اللحظة.
الأقصى ليس حجارة فقط
ومن المنظور المقاصدي، فإن ما يجري يمس جملة من المعاني الكبرى في وقت واحد؛ فحفظ الدين هنا يتصل بحفظ المسجد وهويته وشعائره ووظيفته، وحفظ الكرامة يتصل بحق المصلين في الوصول إلى مقدساتهم والعبادة فيها دون إذلال أو إقصاء، وحفظ الذاكرة التاريخية يحول دون أن تتحول الرواية التي تملك القوة العسكرية إلى الرواية الوحيدة التي يسمعها العالم، كما أن اعتبار المآلات يوجب ألا ننظر إلى كل واقعة في حدود يومها، بل إلى الواقع الذي تصنعه إذا تكررت واجتمعت بغيرها.
قال تعالى في وصف المسجد الأقصى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، فجاء التعبير القرآني لافتًا في امتداد البركة إلى الحَوْل، بما يذكّرنا بأن محيط الأقصى ليس منفصلًا عن دلالته الحضارية والتاريخية. ولذلك لا يصح أن ينحصر وعينا بما يجري داخل بواباته وحدها، بينما تتحرك حوله وقائع وروايات وطقوس تضغط على هويته من جهات متعددة.
الخطر في الاعتياد
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة أمام هذه المشاهد ليس وقوعها وحده، بل أن تعتاد وقوعها؛ فقد تتحول الصورةُ الصادمة بكثرة التكرار إلى خبر عادي: مئات يقتحمون، وصلوات تؤدَّى، وبوق يُنفخ، ورقصات جماعية، وطقوس عند باب الرحمة، وتصريحات عن «الهيكل» و«قدس الأقداس»، ثم يأتي اليوم التالي بخبر جديد، حتى تتبلد حساسية الوعي تجاه التحول الذي يقع أمامه.
وهذه هي إحدى أخطر ثمار سياسة التدرج: أنها لا تغير الأرض فقط، بل تغير عتبة الاستنكار في الوعي؛ فما كان قبل سنوات حدثًا يستنفر العالم يصبح اليوم رقمًا في شريط الأخبار، ثم يصبح غدًا واقعًا يُستشهد بطول بقائه لإثبات أنه أمر طبيعي، ومن هنا فإن مقاومة التطبيع مع هذه الوقائع تبدأ برفض تحويلها إلى مشهد مألوف، وبربط كل جديد بما سبقه وما يمكن أن يفضي إليه.
واجب يتجاوز بيانات الإدانة
لا تكفي أمام هذا المسار بيانات الاستنكار، على أهميتها، ولا يكفي أن تتحرك المؤسسات بعد كل اقتحام ثم تنتظر الاقتحام التالي. المطلوب عمل تراكمي يقابل العمل التراكمي: موقف سياسي ودبلوماسي عربي وإسلامي يحمي الوضع التاريخي والقانوني للمسجد، ودعم حقيقي للأوقاف الإسلامية في القدس، وحضور قانوني يوثق كل تغيير ويلاحقه في المؤسسات الدولية، وإعلام محترف يكسر التعتيم ويراقب تطور الوقائع لا الحوادث المنفردة فقط، ومؤسسات علمية وشرعية تعيد الأقصى إلى مركز الوعي الإسلامي، ودعم أهل القدس وقدرتهم على الوصول إلى المسجد والصلاة فيه وحفظ حضوره الإسلامي.
كما ينبغي ألا تصبح قضية الأقصى أسيرة الخلافات السياسية العربية والإسلامية، ولا المواقف المختلفة من حركة أو جماعة أو فصيل أو حكومة؛ فالأقصى أوسع من الجميع وأبقى من الجميع .. إن حماية مسجد ارتبط بالإسراء، وكان قبلة المسلمين الأولى، وشد النبي - صلى الله عليه وسلم - الرحال إليه، ليست ورقة في نزاع سياسي ثانوي، بل أمانة تتجاوز الحكومات والأحزاب والأجيال.
إن المشهد الذي رأيناه خلال الساعات الأخيرة يحمل رسالة ينبغي ألا تضيع في زحام التفاصيل: الغرب والشرق والداخل تتحرك فيها وقائع مختلفة حول الأقصى وفيه، بينما تتقدم الرواية والطقس والسياسة معًا، وليس المطلوب تهويل كل خبر، ولا خلط المواقع والوقائع، وإنما العكس تمامًا: أن نكون من الدقة بحيث نرى الصورة كاملة، ومن البصيرة بحيث ندرك اتجاهها، ومن المسؤولية بحيث نتحرك قبل أن يصبح ما نحذر منه اليوم أمرًا واقعًا نتحسر عليه غدًا.
فالأقصى لا يُفقد في لحظة واحدة، ولا تُنتزع هوية المقدسات دائمًا بضربة واحدة؛ قد تبدأ المسافة كلها بخطوة صغيرة، وطقس يتكرر، ورواية تُروَّج، وسابقة تُمرَّر، وصورة تعتادها العيون؛ ولهذا فإن السؤال ليس: ماذا جرى في القدس في «يوم الغفران»؟
والسؤال الأجدر بالأمة أن تسأله هو: ماذا يُراد أن يبقى من واقع الأقصى وهويته إذا استمرت هذه الخطوات تتراكم، بينما تظل استجابتنا موسمية ومتفرقة؟





















