السبت 7 نوفمبر 2026 07:05 مـ 26 جمادى أول 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    ظاهرة شيطنة الفضيلة وأهلها في الفضاء الرقمي: ”استراتيجية الاغتيال المعنوي”

    رابطة علماء أهل السنة

    إن ظاهرة شيطنة الفضيلة والتشكيك في نوايا الصالحين والدعاة ليست مجرد اختلاف فكري عابر، بل هي استراتيجية ممنهجة تقودها منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع الجدل لتهديم الحصانة الأخلاقية للمجتمع. تسعى هذه الحملات المسعورة إلى ترسيخ فكرة خبيثة مفادها أن كل متمسك بدينه منافق، وكل داعٍ إلى الفضيلة متصنع، في محاولة بائسة لعزل المصلحين، وإسقاط قدوتهم، وترك الساحة خالية لتيارات التحلل والتمييع الأخلاقي.

    تفكيك الظاهرة: الجذور التاريخية والامتداد المعاصر

    إذا تأملنا سلوك كارهي الفضيلة اليوم، سنجد أنهم لا يبتكرون شيئاً جديداً، بل يجترون بؤساً تاريخياً قديماً يعتمد متلازمة فكرية يمكن تسميتها بـ "القلب المعرفي للقيم"، حيث يصبح المصلح في عيونهم مجرماً، والمفسد ضحية. لقد لخص القرآن الكريم هذه السيكولوجية الانتكاسية في أبلغ عبارة على لسان قوم لوط عليه السلام حين قالوا: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ فلم يجد المجرمون عيباً في لوط ومن معه سوى "الطهارة"، فتحولت العفة في عيونهم النجسّة إلى جريمة تستوجب النفي والطرد والاقصاء.
    وهذا المنهج القديم المتجدد هو عينه الذي يعتمده اليوم بعض المؤثرين ومثيري الجدل في المغرب وخارجه، مثل أحمد عصيد ومحمد الفايد وغيرهما. فبينما استعمل قوم لوط في الماضي التهديد بالطرد الفعلي لإخلاء مجتمعهم من أي صوت يذكرهم بقبح رذيلتهم، يستعمل حداثيو اليوم وتنويريو العصر أدوات "الاغتيال المعنوي" والشيطنة الإلكترونية عبر فضاءات التواصل الاجتماعي. لقد استبدلوا تهمة "التطهر" التاريخية بتهم معاصرة مصمتة مثل "تجار الدين"، و"المنافقين"، و"أصحاب الإسلام الظاهري"، مستغلين بعض الأخطاء الفردية لتعميمها على المنظومة الأخلاقية والدينية كاملة. والغاية في السياقين واحدة لم تتغير: عزل الشباب عن منابع الدين، وتطبيع الرذيلة، وإسقاط رمزية كل من يحمل مشعل الإصلاح والتدين.
    وهذا المسلك هو التجسيد الحي لما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في شواهد النبوة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكَذب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». فنحن نعيش عياناً زمن الرويبضة الذي ينطق في أمر العامة، فيُرفع المفسد ويُشيطن المصلح.

    التحذير من المسلك: دعاة على أبواب جهنم

    إن من يسلك هذا المسير الخبيث، سواء كان كاتباً، أو مؤثراً، أو مغرداً يقتات على نشر السخرية من الدين وأهله، يجب أن يحذر حقيقة مقامه والمستنقع التي ينحدر إليه. إن هؤلاء ليسوا "مفكرين تنويريين" ولا "نقاداً مصلحين"، بل هم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال: «دُعَاةٌ علَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فسماهم دعاة لكونهم يملكون منابر وألسنة وصوتاً مسموعاً، لكن غايتهم قذف الناس في أتون الغواية والبعد عن الله.
    ويكمن خطر هذا التميع في عقوبة الاستسلام له؛ فحين يقبل المجتمع فكرة شيطنة الداعية والتشكيك في أهل الصلاح، ينكفئ أهل الفضل عن الدعوة خوفاً من التشويه، ويخلو الجو للمفسدين، فيحق القول على المجتمع ويحل الهلاك بالجميع. ولذلك حذر الله تعالى من الاستماع لأهل الإفك والظن والوقوع في شرك تخرصاتهم، فقال سبحانه: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾. فالأصل في المؤمن تقديم حسن الظن بأهل الفضل، وعدم قبول الطعن في شعائر الدين ومظاهره بذريعة نقد الأشخاص.

    آليات المواجهة: كيف نرد عاديتهم رقمياً ومجتمعياً؟

    إن مواجهة هذا الطوفان الجارف لا تكون بالانكفاء السلبي أو البكاء على الأخلاق، بل تقتضي مداواة الداء بآليات عملية حازمة تتوزع على شقين متكاملين:

    أولاً: المواجهة الرقمية والافتراضية

    • صناعة وصياغة المحتوى البديل: يجب دعم وتكثير سواد الحسابات والمنصات التي تقدم الفضيلة والالتزام بقالب بصري ورصين يجذب الجيل الناشئ؛ فالحق الأعزل ينهزم في وعي العوام أمام الباطل المسلّح بالبروباغاندا والتقنيات الحديثة.
    • تفعيل سلاح الإهمال والحظر (القتل بالصمت): يعيش هؤلاء المؤثرون على "التفاعل والانتشار" . إن الرد العاطفي العشوائي والشتم يزيد من رواج مقاطعهم؛ وبناءً عليه، فإن التبليغ الجماعي عن المحتوى المسيء، وتفعيل خاصية "الحظر" ، وعدم مشاركة موادهم -ولو من باب السخرية منها- هو إماتة لباطلهم وخنق لمنابرهم.
    • التفكيك العلمي الهادئ للشبهات: إبراز تهافت طروحاتهم المعرفية من خلال ردود علمية مركزة وموجزة تفضح جهلهم بالمصادر الشرعية، وتكشف تناقضاتهم الفجة أمام المتابعين بأسلوب عقلي مقنع.

    ثانياً: المواجهة المجتمعية والواقعية

    • تعزيز الوعي والتحصين التربوي الأُسري: بناء "المناعة الفكرية" لدى الأبناء منذ الصغر داخل البيوت، بتدريبهم على تفكيك ما يبث على الشاشات، وتعليمهم القاعدة الذهبية: "اعرف الحق تعرف أهله"، وأن الدين يُستمد من الوحي المعصوم لا من البشر الذين يرد عليهم الخطأ والهوى وما يعرض للناس.
    • ربط الناشئة بالعلماء والقدوات الربانية: كسر العزلة المصطنعة التي يحاول الإعلام والمنصات فرضها بين الشباب والعلماء الصادقين، عبر تيسير مجالس العلم، ودعم المبادرات الشبابية في المساجد والجمعيات الجادة لصناعة قدوات حية يراها الشباب في واقعهم.
    • التضامن المجتمعي الواعي مع المستهدفين: حين يتعرض عالم أو داعية أو مصلح لحملة تشويه ممنهجة، يجب على المجتمع المسلم إظهار الدعم والالتفاف حوله، ومواجهة حملات الاغتيال المعنوي برفض جماعي قاطع، منعاً للاستفراد بالمصلحين واحداً تلو الآخر.
    الخلاصة: إن الدفاع عن أهل الفضل والدعاة، والاعتزاز بمظاهر الإسلام وشعائره، هو خط الدفاع الأخير عن هوية الأمة وقيمها. وتذكروا دائماً أنه إذا عيّركم دعاة الشهوات والشبهات بادعاء الطهارة والالتزام فذلك وسام شرف على صدوركم؛ فما عيّر أهلُ الرذيلة أهلَ الفضل بأجمل من النقاء والعفة، وكما قيل قديماً في الأثر: "ودت الزانية لو أن النساء كلهن زواني" حتى لا تتميز عليها امرأة طاهرة.

    ظاهرة شيطنة الفضيلة أهلها الفضاء الرقمي استراتيجية الاغتيال المعنوي
    ⇧

    مقالات