السبت 19 سبتمبر 2020 05:42 مـ 1 صفر 1442هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الروابط اللفظية ودورها في التماسك النصي ... قراءة في آية من آيات سورة الكهف

    رابطة علماء أهل السنة

    كثيرًا ما يتكلم النحاة المعاصرون عن قضايا الروابط اللفظية، أو ما يسمونه كذلك ب"السبك"، ويبيِّنون دورها، أو دوره في تآزر النص، وتماسك أجزائه، بحيث يُقرَأ، ويتأمل كأنه جملة واحدة، وكذلك يتفوَّهون بمصطلح "نحو الجملة"، و"نحو النص"، و" نسيج النص"، وهنا أدور حول تلك الفكرة، وأبيِّن مدى تداخل الروابط في نسيج النص، وتمتين أواصره، وتماسك أركانه، فلولا تلك الروابط اللفظية لَانْفَكَّ عقدُه، وتناثرت حباتُه.

    ولغة القرآن الكريم هي أسمى لغات الأرض؛ ومن ثَمَّ فقد جعلها الله - تعالى- لغة كتابه الكريم، وأنزل بها رسالته الخالدة إلى خلقه، فلم يشأ - سبحانه - أن تكون رسالته الخالدة بغير اللغة العربية، مما يدل على مكانتها، ومقامها، ومنزلتها، وكونها سيدة اللغات، حيث تتضمن من الطاقات، والإمكانات ما ليس في غيرها من اللغات، وتمتلك في طياتها عواملَ شموخها، ووسائل بقائها، حيث ماتتْ لغات، واندثرتْ لهجاتٌ، وضاعتْ أبجديات، وبقيتْ لغة اللغات، اللغة العربية، لغة القرآن الكريم التي دامتْ، وبقيتْ، وستبقى عالية، سامية، باذخة، شامخة، وستظل على هذا السمو، وذاك العلو إلى يوم الدين؛ بسبب ارتباطها بهذا الكتاب الكريم، كتاب الله رب العالمين، إلى كل العالمين.

    يقول الله- عز وجل- :" إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"، ويقول -جل جلاله-: " بلسان عربي مبين"، ويقول - تعالى-: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".

    ومن تلك الروابط اللفظية الكثيرة في لغتنا الجميلة: حروف العطف على تنوعها، وحروف التوكيد على كثرتها، وكون التوكيد نوعين: لفظيا ومعنويا، وله طرقه، وأنماطه اللغوية المعروفة في كتب النحاة، وكذا منها حروف وأدوات الشرط عامة، والتوابع على اختلافها، ومنها كذلك حروف التعليل والأجلية، وحروف القسم، وارتباطه بالشرط في جملة واحدة، وهكذا تأتي روابط اللغة اللفظية متعددة، ومتنوعة، وكثيرة، ونبحث هنا دورَها المباشر في تماسك نسيج النص، وترابط كلماته من خلال النظر والتحليل لتلك الآية الكريمة في سورة الكهف، التي يقول الله - تعالى- فيها: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)".

    بدأت هذه الآية المباركة بفعل الأمر: "قل" الذي يتطلب مقولَ القول، فيزيد الكلام تماسكا؛ لأنه لا قول دون المقول، والمقول مرتبط بالقول أشدَّ الارتباط، وكل الآية مقول القول، فهي التي طُلِبَ من الرسول أن يقولها وتبدأ من قوله:" إنما أنا بشر ..."، وتنتهي بنهاية آخر كلمة في الآية، فكلها متماسكة بكل كلماتها، ونسيجها، وعباراتها، وتراكيبها، وأساليبها، وسوف نتوقف هنا عند كل كلمة فيها.

    والفعل: "قل" أحرفه تفيد علو الصوت، حيث القاف المفخمة، واللام التي تخرج من جوانب الفم، وتملؤه، فالفم كله يقين، واعتقاد، وجزم بما سيكون من شأن القول الكريم، ثم تأتي "إن" المكفوفة ب"ما"، والتي تفيد الحصر والقصر للقضية العقدية الآتية:" أنا بشر"، فليس الرسول الكريم إلها، ولا ربا، ولا مولى لأحد، رغم أنه سيدُ الناس، وخاتمُ المرسلين، ونعمة الله للعالمين، وهديته للخلق أجمعين، لكنَّ ذلك لا يُخرِجه عن بشريته، وإن كان أفضل الخلق، وليس مثلَه أحدٌ من البشر: طهرا، وعفافا، وصدقا، واتصالا بربه، وحياءً، ونقاء- صلى الله عليه وسلم-، فهي قضية مفروغ منها، جاءت بأسلوب الحصر، والقصر الحقيقي، لا القصر الإضافي.

    ثم تابعَتِ العبارة بقوله:" مثلكم" فالرسول مثلنا، ومن البشر، غير أنه يتمتع بأنه:" يُوحَى إليه"، فهو موصول بربه، لا يأتي بشيء من عنده، "إِنْ هو إلا وحي يُوحَى"، كل حياته موصولة بربه، فهو موصول في أنفاسه، ونبضات قلبه الشريف، وما يتفوه به لسانه الطاهر بالله، كلُّه بوحْي من ربه، ينزل به جبريل- عليه السلام-، فجبريل ينزل عليه بالوحي، يقطر به سلسلا من سلسل، وهو رَوَّاحٌ بها غَدَّاءٌ، فكلمة "بشر" هي خبر للضمير "أنا"، ثم جاء الخبر موصوفًا بعدة صفات، هي: " مثلكم" ، و"يوحى إليَّ"، وشبه الجملة (إليَّ) متعلق بالفعل "يوحى"، أو في محل نصب حال؛ لأن "بشر" وُصِفَتْ مرتين، والصفة الأولى تُنَزَّل من النكرة منزلة "أل" فكأنها بعد الصفة الأولى أمست معرفة، فيمكن للصفة الثانية أن تُوَجَّهَ على أنها صفة ثانية، ويمكن أن تقوم مقام الحال، وكلها تترابط في توضيح تلك الشخصية النبوية الكريمة، في كونه بشرًا مثل الناس غير أنه يوحى إليه، وهي كناية عن اختياره من ربه رسولا، ونبيا، ومبلغا للوحي الكريم، واستعمال المضارع "يوحى" يفيد الاستمرار، وكون شبه الجملة هنا "إليَّ" يفيد التخصيص، فهو مخصص له، لا لغيره، فالمُوحِي هو الله ، والموحَى إليه هو الرسول الكريم،ثم بعد هذا التماسك بين الكلمات، والارتباط بين العبارات، يأتي الموحَى به، وهو:" إنما إلهكم إله واحد"، حيث جاءت أداة التوكيد: "إن" مكفوفة ب"ما" الكافة لمزيد توكيد، وتثبيت في القلب، وتعميق في الفؤاد، وتأتي العبارة المطلوب قرارُها في عمق القلوب، وسويداء الأفئدة:" إلهكم إله واحد" تأتي بالجملة الاسمية المفيدة للثبات، والدوام، والاستمرار، وفيها الرابط اللفظي الجديد وهو الصفة المفردة: "واحد" فهي جملة اسمية أركانها الأساسية موجودة بكلِّ وضوح، ومقتصرة على العناصر الإسنادية الأساسية التي أرسَتِ الأركان المطلوب تغلغلها في حنايا الروح، وزوايا القلب، وجوانب الجسد، وبِنية العقل، وحنايا الفكر والذات، واستمرارها بين ناظرَيِ المسلم، تلازمه صباح مساء، ليل نهار في الصيف والشتاء، وفي الخلوة والجلوة، والسفر والإقامة، والحضر والمدر، وفي كل لحظة، هي معه لا تفارقه، وعليها تسير كلُّ حياته، يُمسِي بها ويُصبِح معها، ولا يمكن أن ينساها، ومقتضى ذلك، ولازمه ألا يشرك المسلم بربه أحدا، وأن يكون وقَّافا عند حدود ربه، عاملا بتعليمات مولاه، وما أتى به رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، قائمًا على حدود الله، مجتهدا في توحيده، وإجلاله وتعظيمه- جل في علاه- وتعاظم في أرضه وسماه- قال - سبحانه-:" لتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا".

    وقد تماسك النص، وتتابعت روابطه اللفظية بين الجملة الأساسية، وتوابعها من الصفات، والأحوال، وما يتطلبه الفعل المبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه (المبني للمجهول):" يُوحَى"، ونائب فاعله ارتباط الروح بالجسد، والعين بالوجه، واليد بالجسم، فهو ارتباط لا فكاكَ منه، وتماسكٌ لا يمكن التخلي عنه، وكلها كحلقات مرصوصة،وخرزات متناسقة، تبرز جمال العقد، وكمال استدارته، وجلال انعقاد حباته، وتناغم خرزاته، ووضوحها بشكل آسر، ونظام محكَم عاطر، وبناءً على ذلك البناء العقدي جاءت الآية التالية لتتفرع عنها، وتبين سلوك المسلم مع ربه، وعلاقته الدائمة مع مولاه، وفي عبادته وتوحيده: "فمن كان يرجو لقاء ربه" ، فالفاء رابطة لفظية، ويترتب عليها ما بعدها، وقد قامت بدور كبير في التماسك، و"من" اسم شرط يربط كذلك بين الشرط والجواب، وهو اسم جازم للفعلين: فعل الشرط وجوابه إن كانا مضارعين، أو يؤثر في محلهما إن كانا ماضيين، ويأتي الفعل الناسخ بركنيه: الاسم والخبر متآزرا كذلك متماسكا، فالفعل (كان) من الروابط اللفظية العاملة، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره "هو"، وجملة :"يرجو لقاء ربه" من فعلها المضارع المفيد للاستمرار، وفاعلها المستتر جوازا، ومفعولها المضاف في محل نصب خبرا للناسخ، وقد أتت الجملة الفعلية بأجزائها متماسكة، آخذة بعضها بحُجُز بعض، ومعنى "كان" يكون وسيكون، فالفعل هنا سياقيٌّ محتمل لكل الأزمنة، وكل الحياة، أي من أراد ورغب ورجا ربه ولقاءه، فعليه أن يأتي بجواب الشرط في كل حياته، ومسيرة عيشه، وألا يتجاوز ذلك الجواب بحال من الأحوال، وهو:" فليعمل عملا صالحا"، والفاء أداة ربط لفظي للجواب بالشرط، وتفيد سرعة التحقيق، فمن فعل الشرط نال الجواب بصورة عاجلة، وفي كل مرة فيها ينال الصواب إذا تحقق الجواب، واللام لام الأمر، وتتطلب الفعل بعدها، وتجزمه، وتفيد طلب الفعل على وجه اللزوم، والاتباع ، ثم جاء المفعول منكَّرا؛ ليشمل كل عمل صالح، وكل سلوك كريم، دونما تحديد لنوعه، وكمه، ولكن عليه أن يتقيد بالوصف بعده، وهو:" عملا صالحا"، والعمل الصالح مرهون باتباع الصلاح النبوي، والاستنان بكل ما ورد عن الرسول الكريم من صلاح، وفلاح، وكأن العمل نفسه صار صالحا، يعرف الطريق، ويبصر السبيل ، ويدرك مهمته؛ بسبب اقتدائه بالرسول الكريم، فصار كأنه عاقل، يعلم الصلاح فيسلكه، ويرى الفساد فيتجنبه، فلا يُقبَل أيُّ عمل عند الله، وإنما العمل المقبول له شرطان، أولهما وضَّحه القول الكريم: "عملا صالحا"، فالصلاح أول شرط في شرطي القبول، وقامت الصفة بالربط بين العمل، ونوعه، وهو شرط قبوله، فكأنهما صارا شيئا واحدا: صلاح العمل، وعمل الصلاح، وتنكير "صالحا" يشمل كل صلاح يمكن أن يتصوره عقل، أو يدخل تحت الفكر، ثم يأتي الختام بالرابط اللفظي "الواو" التي تفيد عطف الجمل:"ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"، وهو الشرط الثاني في قبول الأعمال، وهو عدم الشرك ولا الرياء وطلب السمعة والشهرة، وتحصيل المدح والثناء، فإن الله مطلع بصير، يعلم صدق العابد من كذبه، وإخلاصه من ريائه:" أحسِنِ العمل فإن الناقد بصير"، والله لا يحب الشرك، وهو الذي يقول على لسان رسوله:" أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معه غيري تركتُه وشريكَه"، أو كما قال- صلى الله عليه وسلم-، والواو عاطفة، و "لا" ناهية تتطلب منهيًّا عنه تجزمه، وفاعل الفعل مستتر جوازا، ثم يأتي شبه الجملة: (بعبادة ربه)، وهو تركيب إضافي، متماسك الأركان، ثم المفعول المرتبط بفعله:" يشرك"، فجاءت الجملة كاملة شديدة الترابط، قوية التماسك، حيث عطف حرف العطف الجملتين، وربط بينها برباط متين، ثم جاءت الأداة الجازمة، ومجزومها، فهو مضارع يتطلب فاعلا ومفعولا به مرتبطا أيما ارتباط بعامله، وتخلَّله شبه الجملة: (بعبادة ربه)؛ ليدل على نقاء التوحيد، وسلامة العبادة، ونقاء الصلة، وصفاء التوجه، وحسن العلاقة بين العبد، وربه، فبين أن شرطي القبول إنما هو اتباع الرسول في العبادة، وعدم الخروج عنها، ولا الابتداع فيها، وأن يكون العمل في إطار الصلاح المستَنِّ فيه بالرسول الكريم، وكونه عملا خالصا لله، لا شرك فيه، ولا رياء، فالصلاح والإخلاص هما مطية القبول، وسبب الوصول، وهكذا رأيْنا كيف عملت الروابط اللفظية عملَها في تداخل نسيج النص، وتماسك أركانه، وترابط بنيانه، وتكامل كلماته، وأوقفتْنا تلك الروابطُ على كمال الدلالة، وجلال المعنى القرآني، بحيث قرأناها كأنها جملة واحدة، لم نشعر بانتهائها؛ لترابطها، وتآزرها، وتماسكها، وتمازجها، وتناغمها، وتكاملها، وتلك من أخص خصائص التراكيب القرآنية، وأظهر سماتها، نسأل الله - تعالى- أن يكرمنا بفهم لغة كتابه، والوقوف على عطاءاتها الكبيرة، وإمكاناتها الكثيرة، وطاقاتها التعبيرية الأثيرة، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الروابط اللفظية التماسك النصي سورة الكهف قل إنما أنا بشر

    مقالات