الإثنين 6 يوليو 2020 11:02 صـ 15 ذو القعدة 1441هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    رمضان والعبادة

    رابطة علماء أهل السنة

    هذه السنة يمر علينا رمضان بشكل مختلف تماما عن كل رمضان مر علينا قبله، فكيف سنتعامل مع رمضان في هذه السنة؟

    في هذه الرسالة والرسائل القادمة، سأناقش إن شاء الله بعض المسائل المتعلقة بالاستفادة من شهر رمضان المبارك.

    وأول هذه المسائل التي سأناقشها في هذه الرسالة، هي مسألة العبادة في رمضان. من خلال بعض الحقائق التي نتفق عليها جميعا:

    أولا: اعبد الله أينما كنت:

    العبادة في رمضان غير مرتبطة بمكان معين، فأينما تكون تستطيع أن تعبد الله، قال تعالى:]وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[[البقرة: 115]

    وهذا المفهوم هو أول مفهوم نشره أبو بكر الصديق بعد موت نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد صعد المنبر، والناس في صدمة كبيرة من خبر وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لهم: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. (رواه البخاري)

    وجاء أعرابي يسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ: يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).(رواه البخاري)

    فبيتك شعب من الشعاب، تعبد الله فيه، وعدم خروجك منه تكف شرك عن الناس، فأنت من خير الناس.

    ثانيا: عبادتك قبل رمضان:

    أمر الله عز وجل بالتزود للعمل الصالح قبل الشروع فيه، فقال عن الحج:]الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ[[البقرة: 197]

    قال ابن كثير رحمه الله: ((لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالزَّادِ لِلسَّفَرِ فِي الدُّنْيَا، أَرْشَدَهُمْ إِلَى زَادِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ التَّقْوَى إِلَيْهَا)). (تفسير ابن كثير 1/ 548)

    فدخول المسلم في العبادة بدون تقوى، يفقده الكثير من الروحانيات والأعمال الصالحة المرتبطة بالعبادة.

    فمن الاستعداد لرمضان أن يُطوِّع الإنسان نفسه على الطاعة قبل رمضان، ليدخل فيه وقد اعتاد العبادة.

    والخطورة التي تعرض للمسلم في رمضان، أن يدخل رمضان ويخرج ولم تتغير عبادته.

    ثالثا: شمولية العبادة:

    عرف شيخ الإسلام العبادة بقوله: ((العبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)). (العبودية 38)

    وهذا يعني أن العبادة غير قاصرة على نوع معين كالصلاة وقراءة القرآن، وإنما يدخل فيها كل عمل يبتغى به وجه الله.

    وقد أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أعمال كثيرة كلها من العمل الصالح، مثل توجيهه لأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، لما سأل رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا،أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ». (رواه مسلم)

    وفي حديث قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مبينا أبواب الطاعة:«كُلُّ مَعْرُوفٍصَدَقَةٌ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَائِهِ». (رواه أحمد)

    وكل إنسان له ميول لنوع من العبادة مثل قراءة القرآن، أو مساعدة الناس، فلا يلزم الناس بنوع واحد من العبادة، فكل ميسر لما خلق له.

    رابعا: متابعة الهدي النبوي في العبادة:

    أفضل العُباد هو نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد قدم لنا أفضل صورة للعبادة في رمضان، فمن أراد تحقيق العبادة في رمضان فليقرأ سيرته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان، وليتأس به، والذي لا يقنع بعبادة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففي إيمانه خلل.

    وكلما اقتربت من صورة عبادة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلما أجرت أكثر.

    خامسا: الحرص على إتقان العبادة:

    علمنا ربنا في كتابه أن المطلوب منا هو إحسان العمل عندما نقوم به، لأن الله سيحاسبنا على ذلك، قال تعالى: ]الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ[[الملك: 2]، وقال سبحانه: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا[[الكهف: 30]، وقال: ]إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[[الكهف: 7].

    فالمطلوب منا أن نوازن بين الكم والكيف، فلا نكثر من العمل على حساب الإتقان، وخاصة في قراءة القرآن والصلاة.

    عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ». (رواه أبو يعلى)

    وإذا كان الناس يحملون هذا الحديث على أعمال الدنيا، فأعمال الآخرة من باب أولى أن يتقنها المسلم، لأن الله يحب العمل المتقن.

    ولاحظ مع أخي الكريم، كيف نبه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أهمية إتقان الوضوء، ثم إتقان الصلاة بعده، والأجر المترتب على ذلك، فعن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاَثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (رواه البخاري)

    وإتقان العبادة لا يأتي في يوم وليلة، وإنما يأتي من اجتهاد مستمر، لذلك لا تنتظر رمضان حتى تجتهد في العبادة بإتقان، وإنما اغتنم هذه الأيام القليلة قبل رمضان، واجتهد في إتقان العبادة.

    ولو سألك إنسان: هل تستطيع أن تسجد لله دقيقة واحدة؟

    أعتقد أنك ستقول: نعم أستطيع.

    ما معنى أن تسجد لله دقيقة واحدة؟

    معناها أنك إذا وضعت جبهتك على الأرض لا ترفعها إلا بعد 60 ثانية، وهي الدقيقة، وهذا يعني أن لو صليت ركعتين بهذه الطريقة فأنت تحتاج للسجود فقط أربع دقائق!

    يا ترى في كم دقيقة نحن ننهي الركعتين؟!

    ولا يقف الأمر عند إتقان الصلاة أو الوضوء، بل هذا الأمر مطلوب في كل الأعمال الصالحة. لذلك أوصى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذ بن جبل فقال له: «إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ»، فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَلا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ". (رواه النسائي)

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لحسن عبادته، وأن يبلغنا رمضان، وأن يتقبله منا.

    والحمد لله رب العالمين

    رمضان والعبادة السجود الصلاة القرآن كورونا الأزمة

    مقالات