الثلاثاء 17 مايو 2022 11:35 مـ 15 شوال 1443هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    فتاوى الناس  ... بين رغبات المستفتين و تورع الموقعين

    رابطة علماء أهل السنة

    لاشك أن الحياة المعاصرة تعقدت، و مشاكلها تنوعت، و مخلفاتها تراكمت، ودخلنا إلى عالم السرعة في كل مناحي الحياة ، حتى عباداتنا أصبحنا نبحث لها عن الاختصار والسرعة.

    و ظاهرة السرعة أخذت عدة أشكال لا يمكن سردها في هذه الأسطر الموجوزة ، و خذ على سبيل المثال :

    1_ صلاة التراويح: و كيف أن أغلب الناس يبحثون عن الصوت الحسن و لكن بشرط السرعة بحيث لا يمسكهم فوق نصف ساعة.

    2_ حضور صلاة الجمعة : حيث تجد عدد لا يستهان به يبحث عن الخطب القصيرة ، والإمام الذي لا يتجاوز بهم ربع ساعة خطبة و صلاة، ولو وجدوا فتوى تسقط عنهم التخلف لوجدت الإمام لوحده من غير المؤذن.

    وهذه السرعة تجلت كذلك في مظاهر استهلاكية، من خلال مطاعم الوجبات السريعة.

    و تجلت كذلك في مظاهر اجتماعية كسبية ، من خلال الربح السريع بأي طريقة .

    و هذه الظاهرة في سرعة الإقبال ، جعلت الكثرين لا يبالون بطرق الكسب أمن حلال أم من حرام !!!

    فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله عليه و سلم: { لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ } رواه البخاري.

    وقد تعجبت من حرص بعض السائلين عن أمور دينهم، كيف يتلونون، ويلتوون معك ، من أجل إستصدار فتوى بحسب رغباتهم، أو ما ليس فيه كلفة أو مشقة في حقهم .

    وكيف يدفعونك دفعا ،لأن تجيب عن أسئلتهم تحت ضغط الوقت و الاستعجال ، بدعوى الحاجة الملحة لمعرفة حكم الله في هذه المسألة ، و لا يعطى لك مجال لإمعان ، أو إنعام النظر ، مما يجعلك تغفل عن كثير من مفاصيل و تفاصيل المسألة المعروضة، و عدم الاحاطة بتجاذباتها و مٱلاتها.

    و مما يؤسف له أن يُجعل من المفتي ، كأنه في حصة ما يطلبه المستمعون.

    بل أصبحوا يصنفونهم:

    بين المتساهل الذي ليس على لسانه إلا القاعدة النبوية. { إفعل ولا حرج...!!! }

    و بين متشدد يظن من نفسه أنه يستبرءوا لدينه من خلال إعمال قاعدتي { الاحتياط و سد الذرائع...!!! }

    ولا شك أن كلا المسلكين مطلوبين ، و لكن ليس على إطلاقهما، و كل هذا موقوف على بصيرة المجتهد، سواء من جهة السائل أم من جهة السؤال.

    ========= #فساد الواقع ليس مبررا:

    عندما نقول فساد الواقع ، ليس المراد به الظرف ، وانما أهله و تصرفاتهم .

    قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:" يحدث للناس من أقضية على قدر ما أحدثوا من فجور ،"

    فإن ضعف التدين، و غياب الوازع الديني، وتسيهل المنكرات ، و تهييج الشهوات، و توسع الرغبات، و كثرة الطلبات، أوقع الكثيرين في فخ عدم التوازن بين العرض و الطلب.

    فظن البعض أن فساد الزمان مبررا لانتهاك المحرمات ، و الاحتكاك بالشبهات، ولابأس في بعض الهنّات.

    بل والتوسع في إعمال قاعدة { الضرورات تبيح المحظورات} ، ونسي هذا الغافل الشطر الثاني منها { أن الضرورات تقدر بقدرها}.

    و أن المعني بهما _ بالقاعدتين _ صاحب التوقيع و هو من يتقن التأصيل و يحسن التنزيل ، ويستحضر هيبة الجليل و يسأل الله عزوجل أن يكون ممن إذا أراد الله بهم خيرا فقههم في الدين وعلمهم التأويل.

    ========= #كثرة الراتعين ليس عذرا:

    يقولون يا شيخ كل الناس يتعاملون كذا !

    كل الناس يقولون بهذا !

    كل الناس تعودوا على هذا !

    فمتى كانت تصرفات العوام دليلا شرعيا و مصوغا منطقيا لتبرير ممارساتهم اليومية في بعض القضايا التي تمس حياة الإنسان .

    و نحن نعلم أن الحكم الشرعي هو : خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف.

    فلكل مكلف خطابه الذي يليق به بحسب الزمان و المكان ، و العوائد و النيات ...{و لاتزر وازرة وزرى أخرى }.{ و كل نفس بما كسبت رهينة} { وكلا أخذنا بذنبه} { و أن ليس للانسان إلا ما سعى }

    فلا يغرنك كثرة الهالكين، وقلة السالكين، فالحق لا يستلزم الكثرة، والحق ما أنت عليه ولو كنت وحدك .

    ونحن لسنا هنا لنبرر سلوكات الأفراد لتلبية الرغبات .

    ========== #وليكن شعارك أيها المؤمن :

    #أولا: لا تقدم على شيء حتى تعلم حكم الله فيه ، و الأصل في ذلك السؤال قبل الشروع. {...إنما شفاء العِيٌ السؤال.}

    لأن الفتوى قبل وقوع الفعل غير الفتوى بعد وقوع الفعل.

    #ثانيا: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، و اجعل بينك و بين الحرام حاجزا، فإن السلف رضي الله عنهم كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال مخافة الوقوع في الحرام .

    #ثالثا: عليك أن تجدد إيمانك بعقيدة الرزق ، و تستحضر قوله تعالى :" و في السماء رزقكم و ما توعدون ". و قول الصادق المصدوق :" لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها" .

    #رابعا: أما انت ايها المفتي، يا من جعلك الله حجة على خلقه و موقعا بفضله، تكليفا و تشريفا .

    فاعلم أن السائل معلق بفتواك ، و أنت حجته عند ربه، فلا تنجي المستفتي في هذه الدنيا ، و تغرق نفسك في الآخرة

    فأعظم مصيبة عندما يؤجر المجتهد على خطئه و تعذّب الأمة بمزلقه.

    فاحذر ! أن تبحث عن حيلة و مخرج ، لصاحب فكر أعرج ، لمن لم يكلف نفسه السؤال حتى فات الأوان .

    ورحم الله الإمام أبا حنيفة: عندما كان يقول في مثل هؤلاء المستفتين: " إن هؤلاء يريدون أن يتخذوا ظهورنا جسورا إلى جهنم ، لهم المهنأ و لنا الوزر".

    و "حكى يعقوب بن سفيان بإسناده عن ربيعة قال، قال ابن خلدة القاضي وكان يقسم:

    إذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همّك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همّك أن تتخلص مما سألك عنه"

    =========== #رسالة لكل من يتجرأ على الفتوى

    ‏يا عامر أفتِنا !؟

    كانت العرب في الجاهلية إذا اختلفوا يحتكمون إلى رجل يقال له : عامر بن الظَّرِبِ العدواني... (مشرك على جاهليته)

    فجاءه مرة وفد من إحدى القبائل فقالوا له : يا عامر وجد بيننا شخص له آلتان آلة للذكر وآلة للأنثى؛!! ونريد أن نُوَرِّثَهُ، فهل نحكم له على أنه أنثى ‏أم نحكم له على أنه ذكر ؟!؟؟

    فمكث هذا عامر بن الظَّرِبِ (المشرك) أربعين يوماً لا يدري ما يصنع لهم !!؟؟

    وكانت له جارية ترعى له الغنم يقال لها : " سُخَيلة " .

    فقالت له في اليوم الأربعين : يا عامر قد أكل الضيوف غنمك؛ ولم يبق لك إلاّ اليسير أخبرني.

    فقال لها : مالك، انصرفي لرعي الغنم ‏فأصرّت عليه، فلما أصرّت عليه أخبرها بالسؤال ، وقال لها : ما نزل بي مثلها نازلة !

    فقالت له الجارية : يا عامر أين أنت؟! أتبع المال المَبَاَل !!

    أي : إن كان هذا الشخص يبول من آلة الذكر فاحكم عليه على أنه ذكر، وإن كان يبول من آلة الأنثى فاحكم عليه على أنّه أنثى! ‏

    فقال لها : فرّجْتِهَا عنّي يا سُخَيْلَة! فأخبَر النّاس .

    #قال الإمام الأوزاعي رحمه الله معقباًً على هذه القصة :

    (هذا رجل مشرك لا يرجو جنة ولا يخاف ناراً، ولا يعبد الله، ويتوقف في مسألة أربعين يوماً حتى يُفتي فيها، فكيف بمن يرجو الجنة ويخاف النار، كيف ينبغي له أن يتحرى إذا ‏صُدِر للإفتاء وإذا سئل أمراً عن الله جل وعلا ).البداية والنهاية لابن كثير: (٢/ ٢٢٢).

    فتاوى الناس الموقعين المستفتين الوزر حرج

    مقالات