الخميس 17 سبتمبر 2026 03:08 صـ 4 ربيع آخر 1448هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الأقصى يُنتزع خطوةً خطوة.. فهل تدرك الأمة حجم التحول؟

    رابطة علماء أهل السنة

    لم تعد الأخبار المتتابعة من المسجد الأقصى المبارك تسمح لنا بأن نتعامل مع كل واقعة منها منفردة، أو أن نضعها في خانة «الانتهاكات» التي تتكاثر أرقامها ثم تمضي. ما تكشفه الأيام الأخيرة أخطر من نفخ بوق، وأبعد من اقتحام مئات المستوطنين، وأعمق من التماس قضائي لفتح المسجد يوم السبت؛ إننا أمام مسار متدرج لإعادة تشكيل الواقع الديني والزمني والميداني للأقصى: تتسع فيه حرية المقتحم في أداء الطقوس، وتضيق فيه حرية المسلم في الحضور والتوثيق، ثم تتحول الوقائع التي فُرضت على الأرض إلى مطالب سياسية وقضايا أمام المحاكم، تمهيدًا لإكسابها صفة الاستمرار والشرعية. والخطورة هنا ليست في كل خطوة بمفردها، وإنما في انتظام الخطوات جميعًا في اتجاه واحد.

    ثلاثون نفخة.. وليست حادثة هامشية

    بعد أيام من التعتيم الذي حال دون وجود توثيق فلسطيني مستقل لما جرى داخل المسجد يوم الأحد 13 سبتمبر/أيلول، ظهرت تقارير إعلامية عبرية تتحدث عن نفخ البوق داخل الأقصى أكثر من ثلاثين مرة خلال صلاة جماعية في ساحاته. ووفق الرواية المنشورة، فإن الحاخام آرييه ليبو قال إنه نفخ البوق ثلاثين مرة، وإنه لم يكن الوحيد، بل شارك آخرون بأبواق من العظم وأخرى معدنية صغيرة. ولا يزال من المهم علميًا وإعلاميًّا أن تبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى مصادرها الإسرائيلية ما دام التوثيق الفلسطيني المستقل غائبًا؛ غير أن دلالتها ـ إذا صحت ـ تتجاوز عدد النفخات بكثير.

    فثلاثون نفخة ليست «محاولة خاطفة» يمكن تفسيرها بأنها تصرف فردي وقع على حين غفلة من الشرطة؛ إنها زمن كافٍ لفعل متكرر داخل المسجد، والأشد دلالة في الرواية أن الشرطة، بحسب ليبو نفسه، لم توقفه بعد النفخة الأولى، بل تركته حتى أنهى الصلاة الجماعية التي كان يقودها، ثم أخرجته لاستكمال إجراء قانوني بحقه، وهو وصف قدمه ليبو نفسه باعتباره تعاملًا غير عدائي، وإذا وضعنا ذلك إلى جانب ما شهدته السنوات الأخيرة من انتقال بعض الصلوات والطقوس من الخفاء إلى العلن، ظهر أمامنا السؤال الحقيقي: هل ما نشهده ضبطٌ لانتهاكات، أم إدارةٌ لوتيرة إدخالها بحيث لا تتجاوز في كل مرحلة القدر الذي يمكن تمريره؟

    إن الخطر ليس في البوق بوصفه آلة، بل في تحوله إلى علامة دينية دورية داخل الأقصى، فالمكان لا تتغير هويته فقط بهدم مبانيه أو تغيير اسمه؛ قد تتغير وظيفته أيضًا بتغيير ما يُفعل فيه. تبدأ المسألة بصلاة فردية، ثم صلاة جماعية، ثم كتاب طقوس، ثم بوق، ثم عشرات النفخات، ثم يصبح السؤال بعد سنوات: لماذا تمنعون طقسًا ظل يُمارس هنا أعوامًا؟ وهكذا تتحول السابقة بالتكرار إلى عادة، والعادة إلى ادعاء حق، ثم يُستدعى «الحق» المزعوم لتغيير القواعد التي كانت تحكم المكان.

    المصلون يختبئون بالكاميرا في مسجدهم

    وعلى الضفة الأخرى من المشهد تبدو صورة أشد إيلامًا: مصلون مسلمون داخل المسجد الأقصى يضطرون إلى استراق لحظات التصوير من داخل المباني المسقوفة، بعيدًا عن أعين الشرطة، حتى يستطيعوا أن ينقلوا إلى العالم صورة المقتحمين في ساحات مسجدهم. هذه ليست تفصيلة إعلامية؛ إنها صورة مكثفة لاختلال عميق في ميزان الحضور داخل المكان: طرف تتسع قدرته على التجمع والصلاة وممارسة الطقوس، وطرف يصبح إخراج الصورة من المسجد نفسه مخاطرة.

    وتفيد المعطيات التي نقلها مصلون استطاعوا الوصول إلى الأقصى بأن عدد المصلين وموظفي الأوقاف في بعض الفترات الصباحية خلال يومي الأحد والاثنين كان ضئيلًا للغاية، في الوقت الذي دخلت فيه مجموعات كبيرة من المقتحمين تحت حماية مكثفة من الشرطة. وهذه الصورة، حتى مع ضرورة التعامل الدقيق مع الأعداد الواردة من المصادر الميدانية، تكشف جوهرًا لا ينبغي أن تغطيه الأرقام: المعركة على الأقصى ليست فقط معركة من يدخل، بل معركة من يستطيع أن يبقى، ومن يستطيع أن يتحرك، ومن يستطيع أن يصلي، ومن يستطيع أن يرى الآخر ويوثق ما يفعله.

    وما أقسى المفارقة: أن يصبح المسلم في مسجد ارتبط بعقيدته وتاريخه وعبادته مضطرًا إلى الاختباء كي يصور ما يحدث فيه، بينما يمارس المقتحم طقوسه تحت حماية أجهزة الدولة! هنا يصبح التعتيم الإعلامي جزءًا من تغيير الواقع نفسه؛ لأن إضعاف الشاهد يسهل توسيع الفعل الذي ينبغي أن يشهد عليه. وإذا غابت العين الفلسطينية المستقلة، أصبح من يقوم بالفعل هو الذي يصوره ويرويه ويحدد اللحظة التي تصل فيها صورته إلى العالم، فتجتمع له سلطة الفعل وسلطة الرواية.

    قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2]. والشهادة على ما يجري في الأقصى اليوم ليست عملًا صحفيًا هامشيًا؛ إنها حفظ للحق والذاكرة والحقيقة، ومنع لوقائع الاحتلال من أن تنمو في الظلام ثم تظهر بعد استقرارها باعتبارها واقعًا لا سبيل إلى تغييره.

    السبت.. محاولة لفتح جبهة الزمن

    ثم تأتي الحلقة الثالثة لتكشف أن المسألة لم تعد مقتصرة على نوع الطقوس، وإنما وصلت إلى زمن المسجد نفسه. فقد نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية، الأربعاء 16 سبتمبر/أيلول، في التماس يطالب بالسماح بدخول اليهود إلى الأقصى أيام السبت، بعدما كانت جماعات تنشط من أجل ذلك قد دفعت بهذا المطلب خلال الأسابيع الماضية. وقد عُرض أمام المحكمة موقف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المؤيد لفتح المسجد أيام السبت، فيما طلبت الدولة وقتًا إضافيًا لبلورة موقفها بسبب حساسية المسألة.

    وهذا التطور بالغ الخطورة؛ لأن فتح السبت لا يعني إضافة يوم إلى جدول الزيارات فحسب. إنه يعني إزالة حاجز زمني آخر كان يحد من الاقتحامات، وفتح الباب أمام إعادة توزيع زمن المسجد بصورة أوسع. وقد سبقت الالتماس حملة منظمة للمطالبة بهذا التغيير، حتى إن مجموعات أقامت في الثالث من سبتمبر طقوسًا مرتبطة باستقبال السبت داخل الأقصى، بالتزامن مع تقديم الالتماس للمحكمة.

    والأخطر في خطاب بن غفير نفسه أنه لا يقدم الأمر باعتباره تعديلًا إداريًا صغيرًا، بل يضعه في سياق ما يراه تعزيزًا للسيطرة الإسرائيلية على المكان؛ فقد عرض موقفه المؤيد للفتح أمام المحكمة، معتبرًا أن السماح بالدخول أيام السبت يعزز ما يسميه «الحوكمة» في الموقع، ورافضًا الحجج الأمنية التي استُخدمت لتبرير المنع. وبذلك نكون أمام انتقال واضح: ما بدأ مطلبًا لجماعات ناشطة صار قضية أمام أعلى محكمة إسرائيلية، ويتبناه الوزير المسؤول عن الشرطة التي تدير الدخول إلى المسجد.

    المكان والزمان والشعيرة

    إذا جمعنا الأخبار الثلاثة، انكشفت الصورة التي تضيع حين نقرأ كل خبر بمفرده: البوق يتعلق بالشعيرة، والسبت يتعلق بالزمان، والتضييق على المصلين والتوثيق يتعلق بالسيطرة على المكان والحضور فيه.وحين تتحرك هذه الدوائر الثلاث في اتجاه واحد، فنحن أمام ما هو أعمق من «زيادة الاقتحامات»؛ نحن أمام محاولة لإعادة هندسة الواقع الديني للأقصى: ماذا يُفعل فيه؟ ومتى يُفعل؟ ومن يملك القدرة على الفعل والحضور والشهادة؟

    ومن هنا تتضح خطورة التدرج. فلو قيل للأمة قبل سنوات إن مجموعات كبيرة ستؤدي صلوات جماعية علنية في ساحات الأقصى، وستدخل معها أدوات طقسية، وسينفخ بعض أفرادها الأبواق مرارًا، وستطالب بفتح يوم جديد للاقتحامات، وسيصبح المسلمون في بعض الأوقات مضطرين إلى التخفي لتصوير ما يجري في مسجدهم؛ لربما بدا المشهد صادمًا إلى حد يصعب تصوره. لكن سياسة الخطوة الصغيرة تراهن تحديدًا على توزيع الصدمة على الزمن؛ حتى تصل إلى النتيجة الكبيرة دون أن تمنح خصومها لحظة واحدة يرون فيها حجم التحول كاملًا.

    وهذا هو جوهر فقه المآلات الذي ينبغي أن يحكم قراءتنا للمشهد؛ فلا يكفي أن نسأل عن حكم الواقعة منفردة أو مقدار ضررها في لحظتها؛ بل يجب أن نسأل: إلى أين تقود إذا استمرت؟ وما الواقع الذي تصنعه إذا انضمت إلى غيرها؟ فالمقاصد لا تنظر إلى الخطوة مقطوعة عن طريقها، ولا إلى السبب منفصلًا عن مآله. وما يجري في الأقصى يستدعي أعلى درجات هذا الوعي؛ لأن الضرر الكبير قد لا يأتي في قرار واحد، بل في مئة قرار صغير تتساند حتى تصنعه.

    أين استراتيجية الأمة المقابلة؟

    إن المشروع الذي يعمل بالتراكم لا يُواجه بردود الأفعال المتقطعة، والمشروع الذي يجمع السياسة والقضاء والشرطة والإعلام والجماعات المنظمة لا تكفي في مواجهته بيانات موسمية مهما بلغت قوة عباراتها. المطلوب استراتيجية عربية وإسلامية لحماية الأقصى تجمع بين السياسة والقانون والإعلام والوقف والعلم والعمل الشعبي؛ استراتيجية ترصد كل تغير في الشعائر والأزمنة والمساحات والصلاحيات، وتربط الحادثة بسياقها، وتحول التوثيق إلى ملفات قانونية وسياسية، وتكسر الحصار الإعلامي، وتدعم الأوقاف وأهل القدس، وتحمي قدرة المصلين على الوصول إلى المسجد والبقاء فيه.

    والأردن، بما للأوقاف الإسلامية التابعة له من دور تاريخي وإداري في المسجد، أمام مسؤولية مضاعفة في حماية هذا الدور من التفريغ التدريجي، والدول العربية والإسلامية مطالبة بأن تتعامل مع تغيير الواقع في الأقصى باعتباره قضية سياسية مركزية لا شأنًا مقدسيًا محليًا. كما أن العلماء والمؤسسات الشرعية مطالبون بإخراج الأقصى من دائرة الخطاب العاطفي الموسمي إلى دائرة الوعي الشرعي المستدام؛ فالمسجد الذي قال الله في شأنه: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] ليس خبرًا نتابعه، بل أمانة دينية وحضارية تتصل بعقيدة الأمة وذاكرتها وكرامتها.

    ولا يجوز كذلك أن تُترك مسؤولية حماية الأقصى لأهل القدس وحدهم، وهم يواجهون القيود والإبعاد والحواجز والتضييق. إن بقاء المسلم في المسجد، وحضور أهل القدس والداخل الفلسطيني فيه، ودعم مؤسساته وأوقافه، وكسر الحصار الإعلامي عنه، وتدويل الانتهاكات الواقعة فيه، كلها حلقات في واجب واحد. والأقصى أوسع من الخلافات بين الحكومات والحركات والجماعات والفصائل؛ فهو مسجد الأمة كلها، والدفاع عن هويته ينبغي أن يبقى فوق الخصومات السياسية والحسابات الإقليمية.

    لا تنتظروا اكتمال المشهد

    إن أشد الأخطاء خطورة أن ننتظر «الخطوة الكبرى» حتى نتحرك؛ لأن الخطوة الكبرى قد لا تأتي أصلًا في صورة قرار معلن وصادم. قد نكتشف بعد سنوات أنها حدثت بالفعل، ولكن موزعة على مئات الخطوات الصغيرة: صلاة هنا، وبوق هناك، وساعة إضافية، ويوم جديد، وإبعاد مصلٍّ، وإسكات مصور، وتقليص صلاحية للوقف، ثم سابقة قضائية أو إدارية تُبنى على ما سبقها؛ لهذا فإن النفخ ثلاثين مرة ليس القضية وحده، وفتح السبت ليس القضية وحده، واضطرار المسلم إلى الاختباء ليصور ليس القضية وحده؛ القضية هي الاتجاه الذي تجمعها خيوطه جميعًا.

    إن المسجد الأقصى لا يُحفظ فقط بأن تبقى قبابه وجدرانه قائمة؛ بل بأن تبقى هويته ووظيفته وشعائره ومرجعيته الإسلامية وحضور أهله فيه مصونة. وما يُنتزع من هذه العناصر بالتدرج قد يكون أخطر مما يُنتزع من الحجارة؛ لأن الحجر المهدوم تراه الأمة فتفزع له، أما الوظيفة التي تُقضم قليلًا قليلًا فقد لا تستيقظ الأمة إلا بعد أن تجد نفسها أمام واقع جديد.

    فلا تنظروا إلى البوق وحده، ولا إلى السبت وحده، ولا إلى صورة التقطها مصلٍّ خفيةً من وراء نافذة؛ انظروا إلى الخيط الذي يجمعها .. هناك تتجلى حقيقة الخطر: محاولة تغيير الأقصى في شعيرته وزمانه وحضوره، خطوةً بعد خطوة.

    والسؤال الذي ينبغي أن يهز ضمير الأمة اليوم ليس: ما الذي حدث في الأقصى هذا الأسبوع؟بل: أيُّ أقصى سيبقى لنا إذا استمر ما يحدث كل أسبوع، ولم تتغير طريقة مواجهتنا له؟

     

    الأقصى ينتزع خطوة اليهود اقتحام المستوطنين المصلين

    مقالات