الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها
يجتمع المسلمون حول الكعبة في كلِّ عام، لا ليُكرِّروا طقسًا عابرًا، بل ليُجدِّدوا رحلة البحث عن ذواتهم؛ أفرادًا وأمَّة، أمَّا الفرد، فإنَّه يكتشف في مناسك الحج أنَّ أعظم ما يمكن أن يناله الإنسان أن يتحقَّق بكمال العبودية لربِّه؛ حيث يتجلَّى للعبد أنَّ كماله الحقيقي ليس في صورةٍ يحملها الناس عنه، ولا في لقبٍ يتزيَّن به، ولا في نسبٍ يعتزُّ به، ولا في ثيابٍ يفاخر بها؛ كما أنَّه ليس هذا الجسد الذي تتداوله الأسماء، بل تلك الروح التي تتأهَّب للعودة إلى بارئها، وتكدح في السير إلى لقائه: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) (الانـشـقاق: 6).
ومن فتحت له أبواب البصيرة رأى أنَّ الحج ليس حركة أجساد حول بناءٍ من حجر، بل دوران أرواح حول مركز العبودية الكبرى؛ فالعبد يطوف حيث أراد سيِّده، ويسعى كما أُمِر، ويقف حيث أُوقِف، ويفيض حين يؤذن له، ويرمي حين يُطلب منه، ويتحرَّك في الصغيرة والكبيرة وفق مراد الله لا وفق منطقه القاصر، وهنا تتهاوى أوهام الفلسفات المتعالية أمام مقام التسليم؛ إذ لا شيء يسبق أمر الله، ولا معنى يعلو على حقيقة العبودية لربِّ العالمين.
ومن هنا يعود الحاجُّ إلى ربِّه في الدنيا قبل العودة الكبرى إليه في الآخرة؛ يعود وقد خفَّ حمل الذنوب عن روحه، ليواصل رحلته إلى الله بأمل المشتاقين إلى اللقاء الأكبر يوم يقف العباد بين يدي ربِّهم، فيُوقفهم على ما كسبوا، ويجازيهم بما كانوا يعملون.
أمَّا الأمَّة، فإنَّها تأتي إلى البيت العتيق باحثةً عن ذاتها الضائعة بين ركام التمزقات، وعن ثوابتها التي بعثرتها عواصف الأزمنة، حتى غدت في كثيرٍ من أحوالها لا تكاد تعرف وجهها الحقيقي إذا نظرت في مرآة التاريخ، ولو أنَّ الأمة نادت أبناءها من تحت أستار الكعبة، لتختار من ينتسب إليها حقًّا، فتمنحه رايتها، وتُسلِّمه أمانتها، لارتجَّ المكان بالصمت أكثر مما يرتجُّ بالاستجابة؛ إذ كلُّ واحدٍ منهم قد احتمى بلونه القديم الذي ظنَّ أنَّه خلعه ساعة لبس الإحرام، فإذا به ما يزال متدثِّرًا به في أعماقه أكثر من تدثُّره بنصاعة البياض الذي ارتداه.
هذا يرى أخاه منحرفًا في الاعتقاد، وذاك يخاصم أخاه في الفقه، وآخر يطعن في السلوك، ورابع يمزِّق الصفَّ بالسياسة، فهذا تابعٌ لسلطان، وذاك منازعٌ له، وهذا أسير أيديولوجيا دعوية، وآخر متحصِّن براية حزبية، حتى تكسَّرت الأمَّة إلى شظايا متقابلة، يحمل كلُّ شظيةٍ منها اسم الإسلام، ولكنَّها تعجز أن تحمل قلب الإسلام الكبير.
فتناديهم الأمَّة -وهي تستند إلى الكعبة كما تستند الروح إلى قلبها- أن تعالوا إلى قبلتكم الواحدة، فما أصدقها قبلة، وإلى أخوَّتكم الإيمانية، فما أوثقها رابطة، وإلى حمل الأمانة الكبرى، فما أثقلها وأشرفها، تناديهم أن يدفنوا خصومات الأزمنة السحيقة، وأن يخرجوا من سجون الحزبيات الضيقة، ومن كهوف العصبيات المقيتة، ومن المذهبيات التي تحوَّلت من وسائل للفهم إلى معاول للهدم والتمزيق.
فالعدوُّ الذي يُحدِّق بالأمَّة ليلَ نهار لا يريد أرضها وحدها، ولا ثرواتها وحدها، بل يريد الأمانة المستقرة في قلبها؛ يريد أن ينتزع منها سرَّ شرفها الذي شرَّفها الله به، وأن يطفئ المعنى الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس.
إنَّ أبرهة الجديد، بكلِّ ما يملك من أفيال القوة والإعلام والهيمنة، لا يسعى في الحقيقة إلى هدم الكعبة بناءً وحجارةً وأستارًا، فذلك أهون أهدافه، وإنَّما يسعى إلى هدمها في قلوب المسلمين؛ وأن تهوي الكعبة من مقام العقيدة الجامعة، وأن تسقط من كونها القبلة الواحدة.
فإذا سقطت الكعبة من القلوب، بقيت قائمةً في الأرض لا تحرس أمَّة، ولا تجمع شتاتًا، ولا تبعث في الأرواح معنى الاستخلاف والعبودية والشهادة على الناس.
إنَّ الذنبَ الأعظم الذي ينبغي للأمَّة أن تستغفر منه في حجِّها، وأن تعود وقد اغتسلت من أدرانه، ذنبَ التفرُّق الذي مزَّق وحدتها، وأوهن عزيمتها، وبدَّد ريحها، وشوَّه فطرتها، وكبَّل انطلاقتها، حتى غدت أمَّةً تملك أسباب النهوض كلَّها، ثم تعيش أسيرة الوهن في زمنٍ تساقطت فيه المعالم، وظمئت فيه الأرواح إلى معنى الهداية والثبات.
إنَّه ذنب التفريط في عهد الاستخلاف: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: 13).
وهو ذنبٌ لا تمحوه مظاهر الطواف وحدها، ولا تُذهبه دموع المشاعر العابرة، ولا تغسله طقوسٌ شكلية تُؤدَّى بالأجساد بينما القلوب ما تزال معلَّقةً بأوثان الفرقة والهوى والعصبية.
إنَّ هذا الذنب لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها وحتى تُجدِّد عهدها مع الله عهدًا وثيقًا أن تعيش بالإسلام وللإسلام، وأن تحمل الرسالة لا بوصفها شعارًا يُرفع، وإنما قدر يُعاش، وأمانة تُؤدَّى، ودم يجري في العروق.
فإذا لم تُثمر التلبية استجابةً حقيقية لنداء الله بحمل الرسالة، وإقامة الشهادة على الناس: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: 104)، فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج حقيقة؟!
وإذا لم يُنشئ الرمي في الأمَّة ساعدًا يقذف الباطل بحجج القرآن، ويرجم الظلم بقيم الإسلام، ويُعدُّ من كلِّ ما يملك عدَّةً لدفع عدوان المعتدين عن الإنسان الذي جعله الله أعظم حرمةً من الكعبة، وعن مقدسات المسلمين فكيف يكون الحج ميلاداً حقيقياً؟!
وإذا لم يُنتج الطواف أمَّةً يدور قلبها حول الحق كما يدور الجسد حول الكعبة، فلا تنفكُّ عن الدين، ولا تبرح ساحة الشريعة، ولا ترضى بغير الله حكمًا، ولا بغير الإسلام سبيلًا، فكيف تتطلع إلى أن تعود من ذنوبها كما ولدتها أمهاتها؟!
كيف تكون الأمة قد تعلمت درس السعي إذا بقيت ساكنةً تحت ركام عجزها، لا تتحرَّك لتحرير مقدساتها، ولا تنهض لتطهير أرضها من أدران الاحتلال والضلال، وما لم يغرس السعي في قلب المسلم حركة دائبة، وأخذًا بالأسباب، وعزمًا على إعمار الأرض بنور الله، وتعبيدها لربِّ العالمين، وما لم تسعَ إلى استرداد كرامتها التي أقامها الله بها أمةً شاهدةً على الناس؟
إنَّ الحجَّ بيعةٌ جديدة مع الله، فهل تفي الأمَّة بعهدها مع ربِّها؟ وهل استلمت الحجر -تقبيلًا، أو استلامًا، أو إشارةً- إلا لتبرَّ بعده بقسمها القديم، وتعود من رحلتها أكثر صدقًا في حمل راية الدين، وأشدَّ وفاءً لأمانة الاستخلاف؟
فهل من حادٍ صادقٍ يحدو بهذه الأمَّة إلى ربِّها، حتى تفيءَ من شتاتها إلى وحدتها، ومن غفلتها إلى يقظتها، ومن ضعفها إلى سرِّ قوتها، فيفيض الله عليها من أنوار الهداية، ومدد التوفيق، وفتوحات البصيرة، ما يعيد إليها وجهها الذي أراده الله؛ أمَّةً شاهدةً، هاديةً، حاملةً لنور السماء إلى الأرض؟


في محراب المحبة ”عشر ذي الحجّة”
عن مشاعرهم!
أنين الحجر قبل البشر ”رسالة المسجد الأقصى إلى أمة الإسلام”
الأمة.. والطاقات المعطلة
النمسا .. البرلمان يقر مشروع قانون حظر الحجاب في المدارس
أَفْلَحَ الجهادُ وأخفقَتْ المشاريع
شعائر الحج والعيد وأحلام الوحدة والتجديد
رسائل الحج للأمة الشاهدة على الناس
الحج بوصلة الأمة وإعلان شهودها الحضاري
أكبر عملية اغتصاب فكري
قِصّة مُعَانَاةِ اَلمَرْأَةِ فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ اَلسّلامُ (2) إهانة الرِّجال بظلم النساء
الحديبية الفتح المبين والنصر العظيم


















