الهجرة مدرسة الأحرار
الهجرة في حقيقتها ليست انتقالًا من أرض إلى أرض، وإنما هي نبعٌ متدفق يعيد به الإنسان رسم خريطة وجوده، ويؤكد فيه هويته، ويحدد به وجهته، إنها لحظة صدقٍ كبرى ينتصر فيها الإنسان لما يؤمن به على ما يألفه، ولما يراه حقًّا على ما اعتاده باطلًا، ولما عند الله على ما عند الناس.
ولهذا لم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هروبًا من واقعٍ مؤلم، ولا فرارًا من أذى، ولا طلبًا لسلطان أو علوٍّ في الأرض، وإنما كانت إعلانًا خالدًا أن المؤمن لا تأسره الجغرافيا، ولا تستعبده البيئة، ولا تحبسه العادات، وإنما يتحرك حيث تتحقق عبوديته لله، ويقيم حيث تزدهر رسالته، ويرحل إذا صار البقاء خصمًا لإيمانه وقيمه.
ومن هنا كانت الهجرة معنى متجددًا لا يحده زمان، ومدرسة مستمرة لا يغلق بابها حتى قيام الساعة؛ لأن الإنسان ما دام حيًّا فهو مدعوٌّ في كل مرحلة من مراحل حياته إلى أن يسأل نفسه: هل ما زلت أقيم حيث يريد الله مني أن أقيم؟ وهل ما زلت أسير في الطريق الذي خُلقت له؟
إن قدرة الإنسان على اتخاذ قرار الهجرة بمعناها الواسع دليل على صحة إدراكه، وسلامة عقله، ونقاء قلبه؛ لأنه يعلن بهذا القرار أنه لم يتحول إلى أسير لعاطفة عمياء، ولا عبد لشهوة عارضة، ولا رهين لأشخاص أو أسماء أو مسميات، وإنما بقيت الحقيقة أكبر من المصلحة، وبقيت الرسالة أعظم من المكان، وبقي رضا الله أغلى من كل شيء.
وكلما علت قيمة الإنسان علت قيمة هجرته؛ فإذا كانت هجرته من معصية إلى طاعة فهو مؤمنٌ يجاهد نفسه، وإذا كانت من هوى إلى هدى فهو عارفٌ بالله، وإذا كانت من قيمة أرضية إلى قيمة إيمانية فهو صاحب بصيرة، أما إذا كان صاحب رسالة فإن هجرته تصبح جزءًا من رسالته نفسها؛ فهو يدور مع الحق حيث دار، وينتقل مع الخير حيث انتقل، لا يتجمد عند مكان، ولا يتقوقع داخل بيئة، ولا يجعل من وطنه الصغير حدودًا لوطنه الرسالي الكبير.
وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا أبناء مكان بقدر ما كانوا أبناء رسالة، فلما أرادهم الإسلام في الحبشة كانوا هناك، ولما احتاجهم في المدينة هاجروا إليها، ولما اقتضت رسالته أن ينتشروا في الشام والعراق ومصر واليمن حملوا أرواحهم ومضوا، لا يبحثون عن راحتهم بل عن واجبهم، ولا يسألون أين يعيشون، بل يسألون: أين يريدنا الله أن نكون؟
لقد تعلموا أن المسلم لا يدور مع الأرض، وإنما تدور أرضه حول رسالته، وأن الوطن الحقيقي ليس حيث وُلد الإنسان، وإنما حيث استطاع أن يعبد الله حق عبادته، وأن يحمل أمانته، وأن يؤدي رسالته.
ومن هنا نفهم لماذا بقيت الهجرة مبدأً حيًّا في الإسلام حتى بعد انتهاء الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
إنها هجرة مستمرة من كل ما يحجب الإنسان عن الله إلى كل ما يقربه إليه، فقد تكون الهجرة هجرة وظيفةٍ لا يطمئن الإنسان إلى كسبها، فيتركها وهو يعلم أن رزقه عند الله لا عندها، وأن الكرامة في طاعة الله لا في الراتب الذي يجنيه منها.
وقد تكون هجرة بيئةٍ فاسدة تستنزف دينه وأخلاقه، فلا يرضى أن يعيش عمره محاصرًا بمن يطفئون نور قلبه ويزهدونه في الآخرة، بل يهاجر منهم بقلبه وعقله ومجالسه، ولو بقي في البلد نفسه، وقد أرشد القرآن إلى هذا المعنى بوضوح فقال: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (الأنعام: 68).
إنها هجرة المجالس التي تميت القلب، وهجرة البيئات التي تفسد الروح، وهجرة الصحبة التي تحجب الإنسان عن ربه، ولهذا قال الإمام ابن عطاء الله السكندري: «لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله».
ومن أعظم صور الهجرة كذلك أن يهاجر الإنسان عاداته التي استعبدته، وألفها حتى ظن أنه لا يستطيع الحياة من دونها، فكم من عادة صغيرة في ظاهرها، كبيرة في آثارها، سرقت من الإنسان عمره! وكم من تعلق بهاتف أو شاشة أو وسيلة ترفيه استهلك عقله، واستنزف قلبه، وأفسد عليه أعظم ما يملك؛ وقته!
لقد أصبح بعض الناس يعيشون أسرى لأجهزتهم، يستيقظون عليها وينامون عليها، حتى كأن الآية تخاطبهم: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المجادلة: 19).
وهناك من استعبدته عادات الطعام، أو عادات الكلام، أو عادة الثرثرة، أو الوقوع في أعراض الناس، حتى أصبح يحمل حسناته إلى غيره دون أن يشعر، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المصير حين قال: «أتدرون من المفلس؟»، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا..».
وفي مناسبة الهجرة المباركة نحن أحوج ما نكون إلى أن نتعلم هذا الدرس العظيم: ألا نتشبث بمواقف ثبت خطؤها، ولا نستسلم لبيئات أفسدت عقولنا، ولا نتعلق بوظائف استنزفت قيمنا، ولا نتحول إلى عبيد لمناصب أو أماكن أو أسماء.
فالله لم يخلقنا لأرض بعينها، ولا لوظيفة بعينها، ولا لصحبة بعينها، وإنما خلقنا له وحده؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (البقرة: 21)، ثم بين حدود التكليف فقال: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت: 56).
فإذا ضاقت بك أرض عن طاعة الله فهاجر، وإذا ضاقت بك بيئة عن حفظ إيمانك فهاجر، وإذا ضاق بك هوى عن رؤية الحق فهاجر، وإذا ضاقت بك عادة عن الانطلاق إلى الله فهاجر.
فإن أخطر أنواع الاستضعاف ليس استضعاف الطغاة فقط، بل استضعاف الهوى، واستضعاف العادة، واستضعاف البيئة، حين يستسلم الإنسان لها حتى يفقد إرادته وحريته، ولذلك كان السؤال المزلزل يوم القيامة: (فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) (النساء: 97)، إنها دعوة للحرية الحقيقية، حرية القلب من الهوى، وحرية العقل من الوهم، وحرية الروح من التعلق بغير الله.
فالهجرة ليست ذكرى نحتفل بها، وإنما قرار نجدد به إنسانيتنا، ونسترد به رسالتنا، ونعلن به أننا خُلقنا لله، وأننا سنبقى مهاجرين إليه ما بقي في القلب نبض، وما بقي في العمر بقية؛ (وَمَنْ يُهَاجِرْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: 100).


ضرورة المشروع الإسلاميّ
الهجرة النبوية الحاضرة ومشروع أمتنا الغائب
طوفان الأقصى ” اليوم ال 310”.. معارك ضارية في رفح وحماس تستنكر تصريحات وزير الخارجية البريطاني على المجزرة
طوفان الأقصى ”اليوم 70” .. استشهاد 12 وإصابة العشرات في قصف مدرسة تؤوي نازحين في خان يونس
دروس تربوية من القرآن الكريم
التّقوى والصّبر .. سِلاحَان أمام مِحن الدُنيا ومصائبهَا
لماذا التأريخ بالهجرة لا بغيرِها؟ وما العلاقة بين حادثة الهجرة ورأس السنة الهجرية؟
”ثأر الأحرار” .. بداية رد المقاومة على مجزرة الاحتلال الصهيوني
باكستان .. مقتل 7 معلمين إثر إطلاق نار داخل مدرسة
صربيا .. فتى عمره 14 سنة يقتل 8 تلاميذ وحارس مدرسة في بلغراد
بينهم 3 أطفال.. 6 قتلى إثر إطلاق نار بمدرسة أمريكية


















