الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 07:09 مـ 2 جمادى أول 1443هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الزوايا الحادة والدوائر المغلقة

    رابطة علماء أهل السنة

    الزوايا الحادة والدوائرالمغلقة

    النظر في المسائل الشرعية والسياسية والمالية والإدارية وغيرها غالبه متعدد الزوايا والرؤي.

    أساس البنيان الفكري والمعرفي لكل ما سبق الزاوية المنفرجة المتسعة في تعدد الأراء والاحتمالات والتصورات المختلفة ونسبية الصواب والخطأ، ولا مجال فيها للحق والباطل أو الكفر والإيمان.

    مكانة العقل في فهم النص الشرعي وقدرته على وضع وإيجاد الحلول للمشكلات السياسية وغيرها متسع بصورة كبيرة جدا بالضوابط المعرفية والأصولية والواقعية.

    الدائرة الوحيدة المغلقة أمام العقل والفكر هي القطعي في ثبوته ودلالته، وهي أضيق الدوائر، أما ظني الثبوت ظني الدلالة فيقع في الدائرة الأوسع، فالظنيات التي تتعلق بالشان الإنساني العام تابعة للعقل بالنظر والفكر، ولعل الحكمة من ذلك: ظهور المكانة الإنسانية المختصة باالفكر والنظر العقلي، وتشريفها في وضع المناسب لها في جوانب الحياة المختلفة.

    المصادر الأصلية اثنان لا ثالث لهما وهما القران والسنة، والقرآن قطعي الثبوت، أكثره ظني الدلالة، والسنة الظني فيها أكثر من القطعي سواء من جهة الثبوت أو الدلالة، هذا هو وحي الله المنزل علينا.

    أما المصادر التبعية عدها الزركشي في البحر المحيط أكثر من خمسين مصدرا، كلها قائم على اتساع الزوايا، وإعمال االعقل، واستنباط المناسب لكل زمان ومكان، فمستحيل أن تخلو حادثة جديدة من حكم لله تعالى بطريق العقل والاستنباط من النصوص الكلية أو المجملة.

    القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والاستقراء والعرف والاستصحاب وغيرها من المصادر أساس مشروعيتها الكتاب والسنة، ودلالتها على الأحكام الشرعية ليس قائما على دلالة المنطوق أو المفهوم، وإنما على دلالة المعقول.

    وبناء عليه: مساحة التفكير الشرعي متعدد الزوايا والأقوال المنضبط بالقواعد أكبر من مساحة التفكير المغلق الذي لا مساحة فيه أصلا.

    ما يجري على الأحكام الشرعية يجري في النظريات والعلاقات والآليات السياسية والمالية من باب أولى، إذ القطعيات فيها قليلة بل نادرة، ولا ثابت فيها غير تحري المصلحة المناسبة، وحسن تنزيلها على الواقع، وفقه الموازنات والمرجحات والأولويات وكلها زوايا منفرجة متسعة وليست حادة.

    الاجتهاد فرض في شريعتنا لكل ما يحتاجه الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومركبه وسلاحه ودوائه، تأثم الأمة بتركه، لأنه بنيان الحياة، وسبيل العمار الذي كلفنا الله به.

    ثقافة الزاوية الواحدة والشخص الملهم والإدارة التي تعلم الأشياء كلها خلل كبير في التكوين العقلي والمعرفي.

    ماذا بعد اختلاف نبيين في مسألة واحدة لكل واحد فيها نظرته وتفكيره، فاختلف الحكم بناء على اختلاف الرؤية والزاوية، وتصويب الله لهما بقوله تعالى: " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما..."

    وسكوت الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصحابة لما اختلفوا في صلاة العصر في بني قريظة، فلم يعنف أحدهما.

    أزمتنا في عقولنا وفهمنا وفكرنا، البعض نظرته للنصوص على أنها حكمت في كل صفير وكبير على سبيل التفصيل، فإذا كلمته بالقياس أو المصلحة أو غيرها قال بكل جهل وغباء الدليل عندي محصورفي قال الله وقال الرسول، وإذا كلمته في الإبداع السياسي والإداري والاقتصادي ثبت مكانه وكأنك تخليت عن الثوابت والأصول.

    العقل المسلم في أزمة كبيرة حادة سببها الأول اعتماد الأشخاص مرجعية في التلقي والمعرفة.

    ادعاء الثبوت في المتغيرات قول على الله بغير علم، وهو من أشنع الجرائم التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: " قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان وأن تقولوا على الله ما تعلمون "

    رتب المحرمات أربع: أولها وهو أدناها إتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وثانيها الإثم والبغي بغير حق وهو أعلي من الأولى، وثالثها اِلإشراك بالله وهو أشنع من الأولى والثانية، وأكبر المحرمات شناعة القول على الله بغير علم، إذ الوقوع فيه وممارسته قد توقع الإنسان في الشرك والإثم والبغي وتحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

    الاتساع المعرفي والفكري ظهير كل حضارة، وأساس كل تقدم، ونواة الأمم الناهضة، ولذا شرعه الله سبحانه وتعالي وجعله مناط الاختبار والابتلاء للإنسان.
    كل هذا يرتب علينا أمورا لازمة:

    أولها: الاهتمام بجميع فروع المعرفة الشرعي والاجتماعي والسياسي والمالي وغيره، لأن حياة الإنسان متعلقة بالجميع.

    ثانيها: التخصص الدقيق والوقوف على أحدث ما وصلت إليه البشرية في الجانب المعرفي الإنساني وبالأخص منه ما يتعلق بإدارة الكيانات الكبرى وحسن الاستفادة من الطاقات البشرية المرتبطة بها.

    ثالثها: دراسة أدب الاختلاف بصورة عميقة، تجعل الإنسان قابلا لكل الزوايا والرؤي، مع سعة الصدر والإنصات للغير، وتبني الصالح من الأراء ولو كان مخالفا لرأيك.

    رابعا: التعبد لله بكل رأي أو قول، بحسن التوجه والنية، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوي، حتى يؤجر الإنسان على اجتهاده، وحتي لا تكون معارك شخصية تفسد القلوب المتراصة، وتذهب المروءة الجامعة.

    الزوايا التفكير الأدلة الحادة الدوائر المغلقة

    مقالات