الأحد 31 مايو 2020 10:56 صـ 8 شوال 1441هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    التدين الناقص

    رابطة علماء أهل السنة

    الإنسان ما أنقصه وأجهله وأصغره، كبر وغل وحقد فما أحقره، ذاك هو الإنسان الذي نسي نفسه من أي شيء الله خلقه، من نطفة خلقه فقدره، ثم من مكان ضيق أخرجه، إلى موت محقق أقبره، إلى نشر ثابت أنشره.

    غلواء الإنسان في تقديس ذاته، وتفخيم نفسه، وأنفة روحه، حيوان راتع، وبهيمة سائبة، وشهوة متحركة، وهوى متبع، ذلك هو الإنسان في دركه إذا بعد عن ربه، وآنس بعقله وفكره، فيتعس سلوكه وخلقه.

    عالم الإنس تجد فيه أحط شهوة، وأنجس خلقا، وأرزء سلوكا، من عالم الحيوان، قاتل بلا رحمة، وظالم بلا شفقة، وراتع بلا تؤدة، ونافخ بلا حقيقة، وزائغ بلا بصيرة، ذاك الإنسان الذي لم يهذب الدين شيئا من طبعه، ولا ألان ذرة من كبره وصلفه.

    الدين للإنسان مثقف للفكر، مقو للقلب، سام بالخلق، مهذب للسلوك، ضابط للسان، منظف للأبدان، رافع للقدر، عال بالفضل، الإنسان بلا دين حماقة كبرى، وعقل ناقص، لا أدب ينفع، ولا إنسانية تشفع فيمن هوى في مستنقع الكفر والجهل والظلم، فماذا بعد الحق إلا الضلال.

    أكبر وظيفة للأنبياء أن يخففوا من هذا الطين النتن، وهذه البركة القذرة، حتى تعلو الروح، وتتذكر النفخة الربانية، والشهادة الأولية، الأنبياء يعملون بالليل والنهار حتى تكمن الشهوة، وتغل اليد عن السطوة، والنفس عن الهفوة، الدين يعيد الإنسان إلى أصله الرباني، ويعلو به عن الجانب المادي الحيواني.

    من لا يرى البشرية الآن في بعدها عن ربها غارقة في التيه والظلمات أعمى البصر، ومقدمة على الهلاك والدمار بما ظلمت وانتكست عامي البصيرة، الدين في أصله رحمة ورفعة وسمو، والإنسان بلا رب ودين فاقد الكل.

    البعض بعيد عن الدين تماما، كافر به جملة وتفصيلا، عقيدة وشريعة، حكما ونظاما، فله من الحيوانية بقدر ما فقد من دينه، وله من الضلال بقدر ما فقد من الهدى، وله من الباطل بقدر ما فقد من الحق، لا مجاملة في ذلك، إن اهتدينا فبما أوحى إلينا، وإن ضللنا فبما تركنا.

    النقص في التدين ليس في الظالم الفاجر فقط، إنما يأتي في كل إنسان ادعى التدين بلا حقيقة، والورع بلا فقه، والعلم بلا نظر، والخلق بلا سمو، والرفعة بلا شرف، والعفة بلا سند، كثير هم أدعياء التدين في عصرنا ومصرنا، ترى العجب العجاب في:

    أولا: خطيب بليغ العبارة، شديد اللهجة، عالي الصوت، يحذر وينذر، ويوعد ويتوعد، تحسبه من انتفاخ أوداجه أنه النذير العريان، فإذا عاملته في حياته وجدت النقص الحاد في الخلق، والصلف العام في التعامل، كم عانت الأمة من أشكال تصدرت وتذببت وهي لم تتحوصل من الخلق المتين، والسلوك الرفيع.

    الخطيب المؤثر هو الذي علا فكره فنضج، وحسن خلقه فتسامح، وعف قلبه ولسانه فأثز ونفع، الخطيب الناجح هو الذي كرع من بحر القرآن، وارتوى من فيض سنة النبي العدنان، وناسب الواقع في كل ما قاله من كلام.

    الخطيب يكون بفعله قبل قلبه، وسلوكه قبل علو صوته، روحه في كلمه العذب، ونصائحه سلسبيل من ماء معين غير كدر، ابتلينا بأصوات نشاذ، وعقول فارغة من الفقه ومن العلم نفاد، ومن حسن خلق وعلو همة أبعد من البعاد، كم سمعنا من خطباء بلا دين في حياتهم مؤثر، وخلق في تصرفهم منقح، إنها بلوى ومصيبة للتصدر بلا تهذيب وتربية وتدين.

    ثانيا: علماء الأمة كثر، في شتى البقاع والتخصصات، أبت النفس البشرية إلا أن تستعمر عقول بعضهم لظل زائل، ودنيا حقيرة، ومنتة كبيرة، أشفق على كل عالم سعى بعلمه لسلطان رقيع، أو منصب وضيع، أو ترف ذاهب وقميء، علم بلا عمل غرس بلا ماء أوشك على الذبول والأفول، كم من عالم يسر الله له الحفظ والفكر، لكنه حوله إلى مذبلة وقمامة تحت أقدام الظلمة الفجرة.

    العالم الذي نريده هو الذي شرب من معين التقوي، ورحيق التواضع، ورفيع السلوك، يسعى إلى العلياء بلا تردد، ويجمع ولا يفرق، بعيد عن حماقة الأقران، وسفاهة السفاسف والأحقاد، الدين دخل في مخيخ عقله، وثقب فكره ونظره، ورفع خلقه وقدره.

    العالم المطلوب هو الذي تخفف من ثقل نفسه، وجبلة طبعه، وتعاسة روحه، مفعم بالأمل، كبير بحسن اختيار العمل، لا إلى السوقة يميل، ولا إلى أهل الوضاعة يقع، ولا يكمن في حظائر يعلم أنها خربة، ولا يزكي نفسه عند أهل غفلة وشهوة، ليس للأمة الآن بعد ربها وخالقها إلا أهل العلم والمعرفة، بهم تسود الأمم، وترتفع الهمم، وتنتصر الشعوب والأمم.

    ثالثا: السياسي الذي لا يعرف إلا المصلحة مهما كانت وضيعة، نفوس شبعت من العفن، وانتشت بلي الكلام الأسن، أكثر السياسيين دينهم المنصب، وهمهم الموقع، وغايتهم اللعب في مواخير الأفكار الساقطة، والتصورات الهابطة، والتفريعات القاتلة.

    السياسي الذي لم يشرب من مقاصد الشرع، ولم يتعلم مقاصد الخلق، ولم يستطع أن يقرأ آية من كتاب الرب، ولا حديث من كلام مبلغ الشرع، أني له أن يمثل التدين الصحيح في عالم السياسة الذي لا يعترف إلا بقبح الفعال، وتزينها للناس على أنها من أحسن الأعمال، سياسي بلا تدين حيوان شره، ونصاب محترف، وبطال منتفع.

    السياسي الذي وعى عقله قضية الإيمان، وشبع من ريان مقاصد الشريعة، وعاش قلبه قضية التسليم لرب الأرض والسماء، وبدنه السعي وراء مصالح العباد، وأسهر ليله بالفكر، ونهاره بالعمل، هو السياسي الذي تفخر به الأمة وتعتز، ويمكن لها وتبز.

    التدين الناقص العالم السياسي الإنسان التقوى

    مقالات