حين يضيع الطريق من أهله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
لا يعرض القرآن قصة أصحاب الفيل بوصفها حادثة تاريخية منقطعة، بل يقدّمها باعتبارها قانونًا سُننيًا يتكرر كلما اجتمع الطغيان، وتوهّم القوة، ومن هنا تأتي دلالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ بوصفها مفتاحًا لفهم انهيار المشاريع الجبارة من داخلها.
أصحاب الفيل لا أهله
في غَمْرَةِ البطش أتى أبرهة وأصحابه، المجتمعين على فكرةٍ هائجة، وإن تشعّبت أهواؤهم، إلا أنهم لم يكونوا أهلاً ولا إخوة، بل كانوا "أصحاباً"؛ نعم، أصحاب فكرة الطغيان والعصيان، فكرة محادّة الله في الأرض، هم جنود فكرة التخريب والتدمير والإفساد، أصحاب رايةٍ تحمل ألوان قوس قزح جميعها؛ اختلفت ألوانهم، فلم يجمعهم إلا الشيطان بسلطان الهوى، وطمس الفطرة، وبهيمية الشهوة، وتجريف العقل.
قريش تدرك الحقيقة
كانت قريش، عابدة للأوثان، إلا أنها خطت خطوةً واحدة في الاتجاه الصحيح، وإن لم يتحقق الإيمان بعد؛ لكنها لم تتعلّق بأوثانها، ولم تقوم بصفها لحماية الكعبة، بل أدركت في قرارة نفسها، وجلاء فعلها، أن لا قيمة لصنم، ولا أثر لحجر. فالوقت جدٌّ لا هزل فيه، وحقيقة لا مجال للتزييف فيها، والأحمق من ترك يقين ما عنده لظنّ ما عند الناس، وساعتها كان الشعار: فلتسقط كل الدعوات، ولتُكشف كل الادعاءات، ولتُعلن الحقيقة في وضوحٍ دون اشتباه: "للبيت ربٌّ يحميه". إنها ليست مجرد كلمة أطلقها عبد المطلب بن هاشم، جدّ النبي ﷺ، بل كانت منهجيةً دانت لها قريش، وانحازت إليها.
بين هودج الغيب وهودج الشهادة:
إن كان في ظاهر الأمر، وتوالي السرديات، وعالم الناس والأسباب والمظاهر والمنطقيات والواقعيات، أن أبرهة يركب فيله في (هودجه)، وحوله الفيلة تضرب الأرض، ومعه جنودٌ نَهِمَة إلى التحطيم والتدمير، والعلو في الأرض، والتألّه على الخلق؛ ليعيش "المليار الذهبي" في منعةٍ ورفعةٍ واستغناءٍ ورفاهية، ولتذهب باقي البشرية إلى الجحيم، كما يدعو( إيلون ماسك ورفاقه) فهم – في نظرهم– عبءٌ لا يستحق الحياة؛ إلا أنه في الوقت نفسه كان هناك (هودجٌ ) آخر، لا يراه الناس، ولكن يدبّره ربّ الناس. (هودجٌ) يحمل الحل، هودجٌ ربما في مظهره أضعف ما يكون، لكنه في حقيقته أعظم ما يكون، وأنجع ما يكون، وأنور ما يكون. إنها آمنة بنت وهب، تحمل في هودج بطنها السرّ الكبير، تحمل في ذلك الهودج الذي ربما لا يُلقى له الناس بالاٌ في تلك اللحظة العاصفة، إلا أنه يحمل سيد الكونين والثقلين والفريقين من عربٍ وعجم. يحمله بالبشارة، بالنور الذي يبدد ظلمات الكفر على وجه الأرض، ويشتّت ممالك الظلم والإمبراطوريات، ويطفئ أنوار المعابد ونيران المجوس، ويحطم أصنام التألّه في الأرض على اختلاف صورها وأشكالها: بشريةً كانت، أو حيوانيةً، أو صخرية، ويبدد مخططات الشيطان في العالم، ويطارده وجنوده إلى أسوار الصين هاربين، ويغرقه في أنهار فرنسا غارقاً.
هودج الطير:
وهناك هودجٌ في السماء، يحمل حجارة السجيل؛ إنه الطير الأبابيل، التي ما زالت موجودة في سماء الحق، تتأهب لرمي ما في أجنحتها من حجارة، تقتل غرور البشر، وتحرق قلوب الفجور، وتفتّت قوى الطغيان، غير أنها تنتظر أن تتخلّص قلوب أهل الحق من التعلّق بأصنامها، وتحطم أوثانها المتمثلة في أشكال من التطلعات الذاتية، وعجول الهوى التي أُشربتها القلوب ببغيها، تتأهب الطيور لإلقاء ما في أجنحتها حينما يتحد المظلومون على موقف البراءة من كل حولٍ أو قوةٍ في الأرض، إلى صدق الاعتماد على حول الله وقوته، وحينما يأنفون أن يكونوا رؤوساً في الباطل، ولو كانوا مجاهيل في الحق.
هودج الإضلال وعدم التوفيق:
لم يقل الله: جعل كيدهم في ضلال"، بل قال: ﴿يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾؛ فكلمة "في" الظرفية هنا توحي بأن الكيد نفسه صار محاطاً ومغموراً بالضياع؛ فالتضليل كأنه وعاءٌ وُضع فيه الكيد، فمهما تحرّك يميناً أو شمالاً لا يجد مخرجاً، لأن الله ضلّل عليهم المسالك والمقاصد، لقد جمع الله كيدهم بكل تفاصيله الدقيقة، ومكرهم العميق، وخططهم المحكمة، فأغرقهم بحرف الفاء: ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾، فالضلال أن تضلّ أنت عن الطريق، أما التضليل فهو أن يضيع الطريق نفسه منك، وأنت تظن أنك متمكنٌ منه، وهكذا فعل الله بأصحاب الفيل؛ تركهم يجهّزون الجيش، وحين ظنّوا أنهم أدركوا الغاية، جعل كل هذا "التمكين" سبباً في "التمزيق"، فضلّ عنهم مقصودهم وهم فيه ينظرون
أي إن الله تعالى على مدار العصور والأزمنة يجعل كيد الطغاة ومكرهم في تضليل، فدائماً كيد الطغاة في تضليل، وعاقبة الماكرين إلى تشتيت، وحينما تنزل حجارة السجيل، فإنها تحطم قصور الباطل وأبراجه، وجيوشه، وقادته، وأفراده، وأتباعه؛ لا تفرّق بين قيادة في الصدارة، أو راكبٍ في الوفد، أو مجاملٍ للركب، أو حتى مجرد فيلٍ مركوب، رضي أن يكون مركوباً!
العصف المأكول
لقد صار الطغاة بقايا مضغ، نفايات بعد استعمالها، لا قيمة لها في ميزان الوجود، وهذه أقصى درجات الإذلال الحضاري أن يتحول الطغيان من مشروع إلى مخلفات!!
فالعجيب أن الحجارة أزالت معالم الجميع، فصاروا جميعاً شذراتٍ ومسخاً لا ملامح تُعرف بها، ولا مسميات، ولا ألقاب، ولا ألوان، ولا سادة، ولا عبيد، غيّرت حجارة الحق معالم الباطل، حتى ألقت به في مهاوي الردى، يتسابق أقرب الناس إليه في التبرؤ من معرفته، أو إهالة التراب عليه
هنا لا بد أن نوقن أن لكل كيدٍ حجارةً من سجيل، وأن كل طغيان يمكن أن يتحول إلى عصفٍ مأكول، نعم، يمكن أن تخرس أصوات الفيلة، وتصمت قعقعات الأسلحة الثقيلة، وتتلاشى رعود الطائرات الهادرة، يمكن أن تُقطع ألسنة البهتان، وتُطفأ شاشات البغي، وتُطمس أعين الفيلة، فتدهس ساسَتها، وتدوس قادتها، وتسير عكس ما أُريد لها، فتحطم باطلهم، وتدوس رقابهم، وفعل الله ليس مجرد عمل، بل قضاءٌ مبرم لا قيام بعده أبداً.
فهل ندرك أن عاصفة الباطل أصوات رياحٍ فارغة، لا تحمل خيراً يُرجى، ولا نفعاً يبقى، ولا تؤثر في الأشجار الطيبة التي رُويت بكلماتٍ طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء؟
ماذا ننتظر؟
إن كنا ننتظر الميلاد، فقد جاء الميلاد، ومعه الكتاب، ورُسم المنهج، وفُتح الطريق؛ فغفلنا عن المنهج، وضللنا الطريق، وأقمنا لهُبَلٍ في بلاد الإسلام ألف معبد، وصالة، وملعب، ونادٍ، وجامعة، وقناة، ومدارس، وإن كنا ننتظر الطير، فإننا – إن لم نتحرر من عبودية من يركب الفيل، ولم نُعرض عن دعاته الذين يصيحون فينا ليل نهار: هلمّ إلينا – ويدفعون أبناءنا، حين ندعوهم إلى سفينة النجاة، أن يقول أحدهم لأبيه: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. وينشرون الخوف في قلوبنا: "لو أطاعونا ما قُتلوا".
إن معركة الحق والباطل لا تحتاج أكثر من انحيازٍ كامل للحق بتفاصيله الدقيقة، دون مواربة، وأخذٍ بالأسباب المتاحة دون يأس، واستعلاءٍ على صياح الباطل بالإيمان، إن طير القدر وهوادجه تحيط بالطغاة من كل مكان، فلا مجال في قلوبنا للخوف من أصوات أقدام الفيلة، ولا من أهازيج العبيد، فغداً يطول نواحهم، وتعلو صرخاتهم، ثم تخفت إلى الأبد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾».


رسالة إلى .. أنت!!
مجزرة جديدة للاحتلال بحق المجوّعين في غزة
شُبُهَاتُ المُنبطحين!.. سيقولون لك
حين نصنع الثورة المضادة بأيدينا
طوفان الأقصى ” اليوم ال 384”.. قصف خيام النازحين بمخيم جباليا وقصف الضاحية الجنوبية لبيروت
طوفان الأقصى ” اليوم ال 310”.. معارك ضارية في رفح وحماس تستنكر تصريحات وزير الخارجية البريطاني على المجزرة
طوفان الأقصى ” اليوم ال 264”.. أزمة الغذاء تتفاقم والاحتلال يقصف مقار النازحين
دمعة على السودان
الطريق إلى الحجة المبرورة (2) ,,خطّة سير النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي حجّة الوداع
الطريق إلى الحَجّة المبرورة (1)
تربية الأطفال بالقصص من القرآن والسنة ( 2 ) .. قصة الثلاثة أصحاب الغار


















