الإثنين 3 أكتوبر 2022 12:10 مـ 7 ربيع أول 1444هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    مصر .. الوضع الاقتصادي والأسئلة الصعبة

    رابطة علماء أهل السنة

    ما الحلُّ في دولةٍ بلغ حجم الدين الخارجي فيها 145.3 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي الدين العام 348.4 مليار دولار؟ ما الحل وقد أوشك الناتج المحليّ ألَّا يفي بخدمة الديون وأقساطها؟ فإنّه بنهاية عام 2019/2020م كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي 87.5 % ثم اتجهت للارتفاع لتقترب اليوم من 100%، وهل بالإمكان أن نجد حلا لوضع اقتصادي يعتمد اعتمادا أساسيًّا على القروض الخارجية؛ حتى صارت تعادل أربعة أضعاف الصادرات السنوية؟ وهل هناك مُسَوِّغ حقيقيّ لكل هذه القروض؟ أم إنّ معظم القروض انفقت على مشروعات لا تمس حاجات الناس ولا تحل مشكلاتهم؟

    ومما يزيد الأسئلة استعصاء على الحل أنّ مصر متجهة – بحسب تقرير ستاندرد آند بورز – إلى زيادة مطَّردة في المبلغ المقترض سنويا ليقفز من 33 مليار دولار في 2017 إلى 70 مليار في العام الحالي، والذي قد يقفز في العامين القادمين إلى 110، فإذا أضفنا لذلك أنّ مصر من أكبر الدول تأثرا بالحرب الأوكرانية بسبب أزمة القمح، وتقلص عدد السياح الذي يمثل السياح الروس والأوكران 40% منه؛ فإنّ دخول مصر إلى الإفلاس حتميٌّ، وليس بعيدا أن يفضي إلى ما أفضت إليه أزمة “سيريلانكا” ولاسيما مع وجود أزمة غذائية ستدفع البلاد – بحسب هلال خاشان أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية ببيروت – إلى حافة الهاوية.

    والعجيب المريب أنّه برغم كل هذه القروض تعاني قطاعات الإنتاج من أزمات جوهرية، وبحسب “العربي الجديد” فقد وجه بعض النواب في البرلمان المصري انتقادات شديدة إلى الحكومة، تطرقت لأرقام مزعجة، فالمساحات غير المستغلة من المناطق الصناعية تبلغ 50%، ونسبة المصانع المعطلة تربو على نسبة المصانع العاملة، وبحسب النائب محمود عصام موسى فإنّه “لن يأتي مستثمر جديد إلى البلاد إلا بعد حل المشكلات القائمة للصناعة المصري”؛ فلماذا يتم الإنفاق ببذخ على العاصمة الجديدة وأمثالها من المشاريع (العنترية) دون أدنى اهتمام بقطاعات الإنتاج؟

    قناة السويس

    لقد بلغ الأمر إلى حد أن قناة السويس – ذلك المصدر الآمن للعملة الصعبة – صارت تقترض هي الأخرى؛ فبحسب “الشروق” فإنّ “اقتصادية قناة السويس” تسعى لاقتراض 20 مليار جنيه وأنّها بالفعل خاطبت تحالفا مصرفيا بذلك! وأمام تعسر مفاوضات الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدوليّ؛ ما هو الجديد الذي يمكن أن تتوجه إليه البلاد لتخفيف الضغوط ومن ثم تصعيب الحلول؟ الجديد عند النظام المصريّ هو بيع الأصول ولو كانت سيادية استراتيجية!

    فبعد أن اشترت شركة “أيه دي كيو” الإماراتية حصة 20% في شركة الأسمدة المصرية مقابل 266.6 مليون دولار، تناقلت وسائل الإعلام خبر اللقاء الذي يمهد لبيع أصول للصين، قد ذهب وفد مصريّ إلى سويسرا للقاء وفد صيني؛ لمناقشة مبادلة ديون صينية على القاهرة بأصول استراتيجية، وقال مصدر لـ”عربي21″ إن مصادر بنكية في سويسرا أكدت حدوث لقاء في فندق “كيمبنسكي” في جنيف بين وفد مصري ووفد صيني، ويجري الحديث عن مبادلة ديون مستحقة للصين بـ8 مليارات دولار بأصول استراتيجية مصرية من موانئ ومطارات، وستعرض مصر، خلال المحادثات التي ستستمر ثلاثة أيام، أصولا أخرى في مقابل 10 مليارات دولار، وبهذا تكون مصر قد حصلت في النهاية على 18 مليار دولار.

    وأمام هذا الوضع الاقتصاديّ المنهار تبرز الأسئلة الكبرى التي تواجهنا بجسارة ونواجهها بتردد وتلعثم، الأسئلة التي ينبغي أن يتولى الإجابة عليها رجال الفكر السياسي والتشريعيّ مع رجال القانون وعلماء الشريعة، الأسئلة الجريئة التي لا تتوارى إلا إذا توارينا عنها، ومن المؤكد أنّ الإجابة عنها ممكنة.

    هل يبقى مع هذه التصرفات – ولاسيما إذا أضيف لها التفريط في حصة مصر من النيل وإهدار حقوقنا من الطاقة في شرق المتوسط وإضاعة تيران وصنافير – هل يبقى للحاكم شرعية؛ وذلك على فرض أنّه كان معه من الابتداء شرعية؟ وهل لهذه التصرفات ذاتها شرعية قانونية وقوة نفاذ على الشعب وعلى الأجيال القادمة؟ وما تكييفها من الوجهة الدستورية والقانونية؟ وكذلك ما تصنيفها ضمن الأحكام الشرعية في الإسلام؛ إذْ إنّ الدستور ينص على أنّ الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد، وما هو موقف رجال الشريعة والمفتي وشيخ الأزهر من هذه التصرفات التي تأكد أنّها تذهب بالبلاد إلى الهاوية؟

    تصرف الحاكم

    لقد اتفق الفقهاء على أنّ تصرف الحاكم في المال العام إنّما يكون من قبيل تصرف الوكيل بالنيابة في المال المملوك للأصيل، وهو المجموع، وقد حكم الفقهاء بأنّ تصرف الحاكم في المال العام إذا كان ضد مصلحة الرعية ومخالفًا لأحكام الشرع فإنّه يُرَدُّ، ومن القواعد المقررة أنّ “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة” وإذا كان العلماء قد قسموا المصلحة إلى ثلاثة: مُعْتَبَرَةٌ ومُلْغَاةٌ ومُرْسَلَةٌ؛ فإنّه من المؤكد أنّ الاقتراض الجنونيّ الذي لا تبرره مقاصد حسنة ولا مصالح راجحة واضحة يُعَدُّ من المصالح الملغاة شرعا، فهو مصلحة في نظر الحاكم وحده، وليس مصلحة في نظر الشرع، وحتى لو اعتبرنا ذلك من قبيل المصلحة المرسلة فإنّها يشترط لها أن يكون الشرع قد شهد لمثلها بالاعتبار، وأنّى يكون هذا؟ والعلماء صارمون في كل تصرف للحكام في المال العام، وبحسب عبارة القرافيّ فإنّ الحكام: “معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة”.

    مصر الوضع الاقتصادي الأسئلة الصعبة البنك المركزي محافظ

    مقالات