الخميس 15 يناير 2026 11:19 صـ 26 رجب 1447هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الأمة.. والطاقات المعطلة 

    رابطة علماء أهل السنة

    لم تكن الأمة في إفقار إلى الإمكانات، ولا في نقصٍ من الطاقات، بل على العكس تماماً؛ فقد حباها الله تعالى سائر المقومات ووافر المقدرات، ومن أكثر المفارقات إيلاماً في الواقع العربي المعاصر أن وفرة الطاقات البشرية والعقلية ليست موضع شك، بل هي من الحقائق المشهودة إحصائياً وواقعياً.
    فالمجتمعات العربية تزخر بعقول مبدعة، وكفاءات علمية عالية، ومواهب استثنائية في مجالات الطب والهندسة والعلوم الدقيقة والتقنية والإنسانيات والفنون.. غير أن هذه الوفرة لم تتحول في الغالب إلى قوة حضارية فاعلة، لا لعجز في الإنسان، بل في تعطيل الطاقات وإهدار الإمكانات، وتتبلور معالم التعطيل التي أدت الى تلك المأساة الحضارية في نقاط جوهرية:


    أولاً: غياب الرأس الناظم:


    تتجلى مشكلة إدارة تلك الإمكانات في غياب «الرأس الناظم» والقيادة البصيرة التي تحرك الطاقات في الاتجاه الصحيح، وقد فطن العدو لهذه الثغرة، فصنع من «التفرقة» شباكاً يصطاد بها المؤثرين ليوقعهم في أتون معارك طاحنة لا طائل من ورائها، معارك يُعدُّ الجهل بها غنيمة والعمل بها مضيعة؛ وذلك على المستويات كافة.
    ولم يستورد يوسف عليه السلام إمكانات ولا طاقات من الخارج ليعالج الكارثة التي أصابت الناس، ولكنه أعاد هندسة إدارة الطاقات والإمكانات المتاحة، فأحدث حلولاً ناجعة، وكذلك فعل ذو القرنين، حيث حول الطاقة الخامدة إلى قوة فاعلة تعتمد على إمكاناتها وتكتشف مواهبها، بدلاً من أن تظل عاطلة تعتمد على غيرها في كل أمورها؛ أولئك الذين وصفهم الحق بقوله: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (الكهف: 93).


    ثانياً: غياب المشروع الجامع:


    يكمن الخلل الآخر في غياب «المشروع الكلي» الذي يستوعب تلك الطاقات ويؤطر تلك الإمكانات؛ ما جعل الأمة تبدو في ظاهرها أفقر الأمم رغم عظيم ثرواتها، وأجهل الأمم رغم نبوغ أفرادها، والمفارقة الصارخة تكمن في أنَّ الكثير من البلاد الإسلامية تُستنزف أموالها وتُهدر مقدراتها، في حين يبلغ علماؤها -والعرب منهم خاصة- الغاية في المجالات العلمية والبحثية والمهنية والفكرية حين يوضعون في بيئات الغرب المنظمة، حيث وصل الكثير منهم إلى مناصب سامقة ومراتب عالمية، لا لشيء إلا لأنهم وجدوا النظام الذي يقدّر الإبداع والمشروع.


    ثالثاً: غياب البيئة الحاضنة:


    فقدان البيئة الآمنة، التي تحتضنه وتمنحه الثقة، وتوفر له شروط الاستمرار والنمو، غياب البيئة التي تسمح بالخطأ، وتشجع على السؤال، وتحمي المبادرة من الإقصاء، وتربط الكفاءة بالاستحقاق لا بالانتماء، وحين تغيب هذه البيئة؛ يتحول التفوق إلى عبء، والاختلاف إلى مخاطرة، والإبداع إلى عزلة.
    والمفارقة الأشد دلالة أن هذه الإمكانات ذاتها، حين انتقلت إلى البيئات الغربية، أبدت قدرة لافتة على التميز والإبداع، وأسهمت في نهضة البحث العلمي، وتقدّم الجامعات، وتطوير الصناعات المعرفية والتقنية، ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل جوهري في الإنسان ذاته، بل نتيجة اختلاف السياق؛ سياق يحكمه مشروع معرفي واضح، ومؤسسات راعية، وقواعد شفافة، وثقافة تقدّر الجدارة وتكافئ الإنجاز، والحقيقة المركزية أن العقل العربي حين يُوضع في بيئة منظمة، عادلة، وآمنة، ينتج بالقدر ذاته، وربما أكثر مما ينتجه في أي سياق عالمي متقدم.


    رابعاً: غياب المعرفة المنهجية:


    العقل العربي ليس عاجزاً عن الإبداع ولا عن الفهم، لكنه يعمل –في الغالب– دون إطار منهجي جامع، ودون مشروع حضاري يستوعب نتاجه ويوجهه، فيتحول العلم إلى جهد فردي معزول، أو إلى معرفة مؤسسية بلا روح، أو إلى تكديس معلومات لا تُترجم إلى أثر في الواقع، والمشكلة هنا ليست في نقص المعرفة، بل في غياب السؤال الكبير الذي تنتظم حوله المعرفة.
    إنَّ غالب المنظومة التعليمية في العالم العربي لم يتبقَّ لها من «العربية» إلا الاسم وبعض المعلومات السطحية؛ أما العمق التربوي، والتأثير الوجداني، واكتشاف المهارات، وصناعة الرواد، فإنَّ مناهجنا أبعد ما تكون عن صياغة هذا النموذج، بل إنَّ جلَّ المناهج في العالم العربي إنما هي ثمرة إشراف وصناعة غربية؛ لذا أضحى التغريب متمثلاً في قلب غربي وعقل غربي، يرتديان ثوباً عربياً، ولا علاقة لهما باستحقاقات العربية ومنظومتها القيمية.


    خامساً: غياب المهمة وفقْد الذات:


    ويتجلى التعطيل كذلك في الإنسان العربي نفسه؛ لا من حيث الكفاءة، بل من حيث الموقع والدور، فالإنسان هنا كثيراً ما يُقصى عن صناعة القرار، أو يُستنزف في صراعات جانبية، أو يُدفع إلى الهجرة القسرية، أو يُفرَّغ من المعنى ليغدو مجرد أداة في مشروع لا يصنعه، وهكذا تُهدر الطاقة الإنسانية، لا لأنها عاجزة، بل لأنها غير مُحتضَنة ضمن رؤية واضحة؛ بل إن هناك حالة إهدار متكاملة الأركان، حتى أضحى المرء لا يعلم مَن هو ولماذا وجِد؟ وذلك من شدة ما صار هملاً بلا هوية أو تأثير!


    سادساً: التعطيل القيمي:


    على المستوى القيمي، فإن الأمة تمتلك رأسمال أخلاقياً فريداً، قوامه مفاهيم العدل، والأمانة، والاستخلاف، وكرامة الإنسان؛ غير أن هذه القيم غالباً ما تُحبس في الخطاب الوعظي، أو تُوظَّف توظيفاً انتقائياً يخدم الصراع لا البناء، وحين تُفصل القيم عن وظيفتها الحضارية، تتحول من قوة توجيه إلى شعارات مستهلكة، ومن منطلق للنهوض إلى وسيلة للتخدير، فأضحت قيمه التي يسمعها لا أثر لها في واقعه المجتمعي أو حتى القطري أو الأممي؛ فكثير من الدول العربية تعرضت لحملات تجريف وتحريف، أزالتها عن منصة القيادة القيمية والنمذجة الأخلاقية.


    سابعاً: غياب الوعي:


    الوعي العربي المعاصر –في كثير من صوره– وعيٌ مجزّأ، متردد، يعيش ردّ الفعل أكثر مما يصنع الفعل، ويُرجع إخفاقاته إلى المؤامرة الخارجية وحدها، دون مساءلة البنية الداخلية التي سمحت لتلك المؤامرة أن تنفذ وتستقر، وحين يتحول الوعي من أداة تشخيص وتغيير إلى أداة تبرير وتنفيس، تفقد الأمة بوصلتها، وتغدو أسيرة الدوران في الحلقة ذاتها.


    يمكن أن نختم بالقول: إنه لا سبيل إلى تجاوز هذا الواقع إلا عبر منهجية فكرية رشيدة، تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مركز المشروع، وبالانتقال من منطق الانفعال إلى منطق الفعل المقصود، ومن الشعارات العامة إلى البرامج القابلة للتراكم، كما لا نهضة دون تحويل القيم إلى أنظمة، والمفاهيم إلى سياسات، والرؤية إلى مؤسسات.
    الأمة العربية لا تحتاج إلى معجزة خارقة، ولا إلى استيراد ذاتٍ بديلة، بل إلى استرداد ذاتها المعطَّلة، وحين تدرك أن أزمتها ليست فيما فُرض عليها فحسب، بل فيما عطَّلته في داخلها، تبدأ أولى خطوات الخروج من زمن التيه إلى زمن الفعل، ومن حالة الإمكان المؤجَّل إلى واقع الإنجاز الممكن

    الأمة الطاقات المعطلة العقول الإمكانات الوعي

    مقالات