الإثنين 17 يونيو 2024 07:45 صـ 10 ذو الحجة 1445هـ
رابطة علماء أهل السنة

    مقالات

    الفصل بين الدعوي والسياسي .. نقطة نظام

    رابطة علماء أهل السنة

    على الرغم من الفشل الذريع الذي ظفرت به تجربة النهضة في تونس، والتي كانت صاحبة (براءة الاختراع) لما يسمى بالفصل بين الدعوي والسياسي، وعلى الرغم من الكساد العظيم الذي ضرب سوق البورصة الفكرية التي عرض فيها كثير من الإسلاميين أفكارًا تتماهى مع النموذج الغربيّ وتراه ملهمًا للشرق بعد الربيع العربيّ، وعلى الرغم - كذلك - من صعود النماذج التي اعتصمت بالنضال المسلح كطالبان والمقاومة الفلسطينية الإسلامية؛ لايزال كثيرٌ من الطيبين المخلصين رابضين عند هذا الطرح العقيم، آملين أن تتراكم الأجيال المسلمة على متنهم، وتتكاثف على صلبهم، فهل يمكن أن يتحقق لهم ما يرجون؟ أم إنّ القطار قد مضى بالبشرية كلها - والمسلمون في القلب منها - إلى وجهة جِدّ مختلفة؟

    أسئلة أوّلية لابد من طرحها

    ولنبدأ بطرح هذه الأسئلة البسيطة المباشرة؛ فليس من الرشد اقتحام أمرٍ ذي بال دون معرفة جملة من البدهيات التي تكشف عن جدوى هذا الأمر وعن أمور كثيرة تتعلق به وتؤثر على فاعليته سلبًا وإيجابًا؛ ونستهل بهذا السؤال المبدئيّ: هل المشكلة الحقيقية التي تسببت في هذا الإخفاق الكبير هي خلطٌ وقع بين الدعوي والسياسيّ؟ وما هي مظاهر هذا الخلط؟ هل تَعَجَّلَ الإسلاميون الذين كانت لهم الأغلبية في البرلمان فطالبوا بتطبيق الشريعة وإقامة النظام الإسلاميّ؛ فكانت ردة الفعل هي الانقلاب على العمل الإسلاميّ حفاظًا على علمانية الدولة؟ أم حدثأنّ الرئيس اتخذ قراره بإيقاف التعامل بالربا وغلق دور السينما ومنع الأغاني وفرض الحجاب؛ فترتب على ذلك ردة فعل شعبية انتهت بتدخل العسكر؟ أم إنّ الذين تصدوا للعمل السياسيّ في مصر وغيرها كانوا دراويش ولم يكن لهم من قبل ممارسات برلمانية على مدى عقود طويلة؛ فأفضى ذلك إلى الوقوع في خبال سياسي ودروشة دبلوماسية؟

    ونثني بهذا السؤال الأكثر بساطة: ما المقصود بالفصل بين الدعوي والسياسي؟ أهو تمييز الاختصاصات بحيث يعتصم الداعية بمسجده ومحاضن دعوته، بينما يصول السياسي ويجول في ميادين السياسة والحكم؟ فإن كان الأمر كذلك فما قدمتم جديدًا مفيدًا؛ لأنّ هذا هو الواقع الذي كان موجودًا بالفعل، فباستثناء حالات نادرة كان البرلمانيون والسياسيون من أصحاب الخبرات السابقة في العمل البرلماني وفي المعارضة السياسية للنظام القديم، صحيح أنّ الخبرة السياسية لم تكن على المستوى المطلوب، لكنْ هذه هي الخامات الموجودة، فمِن أين نأتي بأمثال كيسنجر ودك تشيني وجولدمائير؟ بل من أمثال مبارك والسادات وعامر وعبد الناصر على أنّ دورهم لم يكن سوى التنفيذ الحرفيّ للأجندة الأمريكية.

    أم إنّ مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي لا تقف عند هذا الحدّ المعلن، وإنّما تتخطاه إلى ما وراءه مما لم تعلنه حركة النهضة صراحةً وإنْ دلّتْ عليه قرائن الحال؛ فإن كان كذلك فهي العلمانية في أجلى صورها، فأيّ قيمة -إذن - في دعوة إلى الفصل بين الدعوي والسياسي؟ وهل سنظل عندئذ نطلق عليها (الفصل بين الدعوي والسياسي)؟ أم إنّ الشفافية الفكرية تقتضي أن نسمي الأمور بأسمائها؟ وهل إذا سميناها باسمها الصحيح نكون قد أبقينا شيئًا من مشروعنا سواء في الدعوة أو في السياسة؟

    ونختم الأسئلة - مكتفين اضطرارًا - بهذا السؤال: هل كانت المشكلة في الممارسة السياسية؟ وهل أتيح للإسلاميين الفرصة لممارسة السياسة أصلًا؟ وهذا السؤال يثير سؤالا آخر أكثر عمقًا على بساطته وبداهته: هل كانت المشكلة الأساسية في إدارة مؤسسات الدولة وفي سياستها؟أم كانت في أم كانت في إدارة الصراع مع الثورة المضادة ومكونات الدولة العميقة؟ وهل كانت حكومات مصر المتعاقبة تمارس سياسة مستقلة أم كانت في الواقع مجرد أداة لتأمين الخراجللمحتل الذي لايزال يحتل بلادنا بالوكالة، وذراع يطوق به الحاكم الذي يحكمنا من الخارج جميع مكونات الشعب الأعزل بقوة الجيش؟

    حقيقة الصراع وأسباب الفشل

    إنّ الصراع الذي فشلنا في إدارته ليس تدافعًا سياسيًّا بين أحزاب ومكونات سياسية عملت في جو سياسيّ صحيّ؛ فوقعت من الإسلاميين أخطاء تسبب فيها الخلط بين دَور الدعاة ودَور السياسيين، فأدى ذلك إلى فشل العمل السياسي الإسلامي وانقلاب الأوضاع رأسًا على عقب، إنّما الصراع الذي فشلنا في إدارته هو الصراع بين الثورة والثورة المضادة، ولأنّنا فشلنا في تحديد هوية هذا الصراع فشلنا في إدارته، فنحن لم نفشل في إدارة السياسة، وإنّما فشلنا في إدارة الصراع مع الثورة المضادة والدولة العميقة والعسكر ومع التحدي الإقليمي والدوليّ، فلما فشلنا في ذلك تم إفشالنا في السياسة؛ لا لشيء إلا ليكون الفشل السياسيةذريعة لتسويغ الانقلاب على الثورة ومكتسباتها، فنحن ابتداء لم ننجح في تحديد عدونا على الوجه الصحيح، فوقعنا في المخالفة الصريحة لقول الله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) ولقوله عزّ وجلّ: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا)، ثم أعرضنا عن إعداد القوة إعراض قريش عن (لا إله إلا الله)، ثم توالت الأخطاء المنهجية الخارقة والخارمة، وجميعها في إدارة الصراع، وحتى ما وقع منها في السياسة كان في إدارة الصراع السياسيّ؛ فمَن أراد أن يجد حلًا فليبحث في أدوات الصراع ومنهجياته؛ بدلًا من احتراف الهروب إلى مساحات جدل كلاميّ لا فائدة فيه.

    الحقيقة المرة والواقع المرير

    والحقيقة المرة أنّنا لا نمتلك مشروعًا إسلاميًّا مستمدًا من شريعتنا، لا نمتلك مشروعًا للتغيير، ولا مشروعًا للبناء بعد التغيير، ولا مشروعًا للإعداد قبل التغيير والبناء، لا نمتلك رؤية صحيحة تجمع بين التحليق والتحقيق، بين المثال والواقعية، هذا على الرغم من أنّ رصيد أمتنا الشرعيّ والعقديّ والتاريخيّ والحضاريّ غنيّ بالمعطيات الكبرى التي نقف عليها فنمسك السماء بأيدينا، والواقع المرير هو أنّ الشيعة عندهم مشروع، يقارب في خطورته المشروعين الصهيونيّ والصليبيّ، بينما نحن - أهل السنة - وقود كل هذه المشاريع؛ فهلا طرحنا خلف ظهورنا كل هذه الوساوس والتفتنا إلى ما هو أولى وأجدى؟!

    الفصل الدعوي السياسي نقطة نظام تونس النهضة

    مقالات