الأحد 31 مايو 2020 10:26 صـ 8 شوال 1441هـ
رابطة علماء أهل السنة

    فتاوى

    فتوى أحكام الصيام والقيام في زمن الوباء

    رابطة علماء أهل السنة

    فتوى أحكام الصيام والقيام في زمن الوباء

    بسم الله الرحمن الرحيم

    رقم الفتوى:32
    تاريخ الفتوى: الخميس 23 شعبان 1441هــ الموافق 16 نيسان / أبريل 2020م

    السؤال: يتوقعُ الخبراءُ استمرارَ وباءِ (كورونا) خلالَ شهرِ رمضانَ الحالي، فما هي أحكامُ صيامِهِ؟ وهل يجوزُ الإفطارُ للتَّقوي وزيادةِ المناعةِ لمواجهةِ المرضِ؟ وإذا لم تُقَم صلاةُ التراويح في المساجدِ فكيفَ نصلِّي؟

    الجواب: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمَّدٍ، وعلى آلهِ وصحبِه أجمعينَ. أما بعدُ:

    أولاً: إنَّ صيامَ رمضانَ ركنٌ مِن أركانِ الإسلامِ، وواجبٌ على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ ليس من أهلِ الأعذارِ، قال تعالى: ‫﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وقالَ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ المُتَّفقِ عليهِ: «بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ» وذكر منها: « …وصومِ رمضانَ».

    وبالنسبةِ لهذا الوباءِ (كورونا)؛ فلم يثبُتْ عِلمياً بحَسَبِ أقوالِ الخُبراءِ والأطباءِ الثقاتِ أنَّ الصيامَ يُضعفُ مناعةَ الجسمِ في مواجهةِ “الفيروس”، وليس تركُ الصيامِ والبعدُ عن العطشِ وجفافِ الحلقِ مِن طُرُقِ الوقايةِ منه، ولم يثبُتْ أنَّ هناك حاجةً لتقويةِ الجسمِ في مواجهةِ (الفيروس) بزيادةِ الطعامِ والشرابِ، وبناءً على ذلك: فلا يوجدُ سببٌ يُبيحُ الفطرَ في رمضانَ.

    ومن المعلومِ أنَّ وجوبَ الصيامِ ثابتٌ في حقِّ عمومِ المسلمينَ، ويحرُمُ عليهم الفطرُ لمجرَّدِ الخشيةِ مِن المرضِ أو الرغبةِ في تقويةِ الجسمِ، ومَن أفطرَ دونَ عذرٍ صحيحٍ فقد ارتكبَ مُحرَّماً وكبيرةً مِن كبائرِ الذنوبِ تستوجبُ التوبةَ، قال ابنُ حجرٍ الهيتَميُّ في كتابهِ «الزواجر» : (الكبيرةُ الأربعونَ والحاديةُ والأربعون بعد المائة: تركُ صومِ يومٍ مِن أيامِ رمضانَ، والإفطارُ فيه … بغير عذر).

    ويجبُ على مَن أفطرَ بالأكلِ أو الشربِ بغير عُذرٍ أن يقضي ما أفطرهُ بعدَ رمضانَ إبراءً لذمَّته، وتُسنُّ المبادرة بالقضاءِ، ولا يجوز تأخيره إلى رمضانَ السنةِ المقبلةِ إلاّ لعذرٍ.

    وأما الغرغرةُ لتطهيرِ الحلقِ أو ترطيبهِ حمايةً مِن المرضِ؛ فلم يثبت علمياً أنَّ الغرغرةَ مانعةٌ من المرضِ، فما لم ينصحْ بها الأطباءُ ويذكروا فائدتَها للوقايةِ مِن هذا المرضِ؛ فلا ينبغي الإقدامُ عليها أثناءَ الصيامِ، ولو فعلَ وتغرغرَ فصيامُه صحيحٌ مع الكراهةِ؛ لتعريض صومِه للفسادِ، فإنْ وصلَ شيءٌ مِن الماءِ إلى جوفِه عن طريقِ الخطأِ بسببِ الغرغرةِ والمبالغةِ في الاستنشاقِ فجمهورُ العلماءِ على أنَّ صومَه قد فسدَ؛ لأنَّه فعلَ مكروهاً متعمِّداً، وعليه قضاءُ ذلك اليومِ.

    ثانياً: مَن كانَ مِن أصحابِ الأمراضِ التي لا يضرُّ معها الصيامُ، ولا يلحقُه بسببِها مشقةٌ كبيرةٌ؛ فإنَّ الصيامَ في حقِّه باقٍ على وجوبِه، ولا يجوزُ له الفطرُ، قال أبو بكر الجصَّاص في كتابِه «شرحِ مختصرِ الطَحاوي» : (اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ المرضَ الذي لا يَضُرُّ معه الصومُ لا يُبيحُ الإفطارَ)، وقال النوويُّ في كتابه «المجموع» : (وأمَّا المرضُ اليسيرُ الّذي لا يلحقُ به مشقّةٌ ظاهرةٌ لم يَجُزْ له الفطرُ بلا خلافٍ عندنا).

    أما مَن شقَّ عليه الصومُ بسببِ المرضِ أو عجَزَ عنه؛ فيجوزُ له الفطرُ في رمضانَ، ثم إن كانَ ممَّن يُرجى بُرؤهُ قضى بدلاً عنه في أيامٍ أخرى بعدَ رمضانَ، وإن كانَ ممَّن لا يُرجى بُرؤه مثلَ كبارِ السنِّ وذَوي الأمراضِ المُزمنَةِ المستمرةِ فيُفطرونَ ويطعمونَ عن كلِّ يومٍ مسكيناً، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما عن هذه الآيةِ: (ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ لا يستطيعانِ أنْ يصوما، فيُطعمانِ مكانَ كلِّ يومٍ مسكيناً) رواه البخاري، ويجوزُ إخراجُ هذه الفديةِ يومياً في رمضانَ، أو تُجمع لعدَّةِ أيامٍ وتُدفعُ للمحتاجينَ، ويمكنُ أن تُدفعَ بعدَ العيدِ، والأولى التعجيلُ والمبادرةُ إبراءً للذمَّةِ، وسدّاً لحاجةِ المحتاجينَ.

    ثالثاً: مَن أصابهُ شيءٌ مِن هذهِ الأمراضِ الوبائيةِ مثل (كورونا) نسأل اللهَ العافيةَ للجميعِ؛ فيُرجع في تقديرِ الأنسبِ لحالِه إلى أقوالِ الأطباءِ، فإن قالوا بالفطرِ لأخذِ العلاجِ، أو لتقويةِ جسمِه في مواجهةِ المرضِ؛ فيُرخَّصُ له الفطرُ، وهو داخلٌ فيمن أباحَ اللهُ لهم الإفطارَ للمرض، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: الآية 84]، وأمَّا مَن كان في الحَجر أو العَزلِ للاشتباهِ في مرضِه فالأصلُ فيه أن يصومَ ولا يجوزُ له الفطرُ، إلاّ إذا ألزمَه الأطباءُ بتناول أدويةٍ لا يمكنُ تأجيلُها لوقتِ الفطرِ، فيجوزُ له الفطرُ، ومَن أفطرَ لأجلِ المرضِ؛ فيلزمُه الصومُ عند زوالِ عذرِ الإفطارِ وانقطاعِه، كما يلزمُه قضاءُ الأيامِ التي أفطرَها بعدَ انتهاءِ رمضانَ.

    رابعاً: قيامُ رمضانَ وصلاةُ التراويحِ من أعظمِ القُرباتِ التي يتأكدُ على المسلمينَ المحافظةُ عليها، لا سيَّما في هذه الظروفِ، ولا يُشترط فيها أنْ تُؤدَّى في المساجدِ أو تُصلَّى جماعةً؛ فإن استمرَ إيقافُ الجماعاتِ في المساجدِ في شهرِ رمضانَ؛ فيُشرعُ أن تُصلى في البيوتِ جماعةً بمن حضرَ مِن أهلِ البيتِ رجالاً ونساءً وصغاراً وكباراً، وتُصلَّى فرادى لمَن لم يتيسرْ له مَن يصلي معه؛ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلّاها بأصحابِه رضي الله عنهم في المسجدِ عدّةَ ليالٍ، ثم خشيَ أن تُفرضَ عليهم فلمْ يخرجْ إليهم وصلَّاها في بيتِه، وصلَّاها الصحابة رضي اللهُ عنهم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم جماعةً، وصلَّوها في بيوتِهم، ثم استقرَّ الأمرُ على إقامتِها جماعةً في المسجدِ في عهدِ عمرَ رضي الله عنه، وتتأكَّدُ المحافظةُ عليها وعدمُ التهاونِ والتفريطِ بها امتثالاً لحثِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عليها بقوله: «مَن قامَ رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبِه» رواه البخاري ومسلم، ويَقرأُ في صلاتِه ما تيسَّرَ له مِن القرآنِ الكريمِ، والأولى من حفظِه، ولا بأسَ من مصحفِه، ويجتهدُ في ذلكَ هو وأهلُ بيتِه.

    خامساً: الواجبُ في مثلِ هذهِ الأوقاتِ التي اجتمعَ فيها البلاءُ مع النقصِ الواقعِ في العباداتِ الحفاظُ على الفرائضِ، واستفراغُ الجهدِ في استغلالِ الأوقاتِ الفاضلةِ بالتقرُّبِ إلى اللهِ تعالى، فمن ذلكَ: الإكثارُ من الذِّكرِ وتلاوةِ القرآنِ، وكذلكَ الإكثارُ من النوافلِ المختلفةِ، وشتى أنواعِ القُرَبِ، ومن أجلِّها التخفيفُ عن المسلمينَ ومساعدتُهم، وتفقدُ أحوالِهم لا سيَّما الأقربينَ منهم، والإكثارُ من الصدقةِ بالمواد العينيةِ أو الماليةِ، وتفطيرُ الصائمينَ.

    كما أنَّنا نذكّرُ إخوانَنا بجوازِ تقديمِ زكاةِ الأموالِ قبلَ وقتِ وجوبِها للحاجةِ الماسَّةِ لذلك؛ تخفيفاً عن المحتاجينَ، وإعانةً لهم، وكذلك جوازُ تقديمِ زكاةِ الفطرِ عن آخرِ الشهرِ كما نصَّ عليه الفقهاءُ مفصَّلاً.

    نسألُه تعالى الإعانةَ على ذكرهِ وشُكرهِ وحُسنِ عبادتِه، كما نسألُه القبولَ، ورفعَ البلاءِ، وإعانةَ المستضعفينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

    وقد وقع على الفتوى من أعضاء المجلس السادة العلماء

    1- الشيخ أحمد حمادين الأحمد

    2- الشيخ أحمد حوى

    3- الشيخ أحمد زاهر سالم

    4- الشيخ أسامة الرفاعي

    5- الشيخ أيمن هاروش

    6- الشيخ تاج الدين تاجي

    7- الشيخ عبد الرحمن بكور

    8- الشيخ عبد العزيز الخطيب

    9- الشيخ عبد العليم عبد الله

    10- الشيخ عبد المجيد البيانوني

    11- الشيخ علي نايف شحود

    12- الشيخ عماد الدين خيتي

    13- الشيخ عمار العيسى

    14- الشيخ فايز الصلاح

    15- الشيخ محمد الزحيلي

    16- الشيخ محمد جميل مصطفى

    17 – الشيخ محمد زكريا المسعود

    18- الشيخ محمد فايز عوض

    19- الشيخ محمد معاذ الخن

    20- الشيخ مجد مكي

    21- الشيخ مروان القادري

    22- الشيخ ممدوح جنيد

    23- الشيخ موسى الإبراهيم

    24الشيخ موفق العمر

    25- الشيخ ياسر الجابر

    فتوى أحكام الصيام القيام زمن الوباء

    فتاوى