الأربعاء 29 يونيو 2022 06:55 صـ 29 ذو القعدة 1443هـ
رابطة علماء أهل السنة

    تقارير

    بعد 20 عاما من الضغط.. كيف توغل الكيان الصهيوني في القارة الإفريقية وكيف استطاعت اختراقها بسهولة؟

    رابطة علماء أهل السنة

    لاشك أن غزو الكيان الصهيوني للدول الإفريقية كان بالطرق الدبلوماسية البطيئة، فعلى مدار عشرين عاما من السعي الحثيث، نجح الكيان في فرض تواجده داخل القارة السمراء، بل باتت له الكلمة العليا في قضاياها، ومنها أزمة سد النهضة، وحوارات ليبيا وتشاد، ونزاعات الصومال، وحتى انقلابات ليبيا ومالي وبوركينا فاسو.

    بحثت القمة الإفريقية التي انطلقت السبت في أديس أبابا مجموعة من التحديات التي تواجهها القارة، من أبرزها قضية العلاقة مع الكيان الصهيوني التي أثارت خلافات بين الوفود.

    وخلال الجلسة الافتتاحية برزت خلافات علنية بين أعضاء الاتحاد الإفريقي بشأن إسرائيل، التي سعت للحصول على صفة مراقب في الاتحاد، ودافع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد عن موافقته من جانب واحد العام الماضي على قبول طلب إسرائيل الحصول على صفة مراقب، في المقابل انتقدت جنوب إفريقيا التي يدعم حزبها الحاكم بقوة حقوق الشعب الفلسطيني، تلك الموافقة الأحادية على الطلب الإسرائيلي.

    ودعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية الذي تحدث في الجلسة الافتتاحية اليوم، إلى سحب صفة المراقب من إسرائيل، وقال أشتية إن "هذه الصفة مكافأة لا تستحقها، وتشجعها على الاستمرار في انتهاكاتها وخرقها للمواثيق والاتفاقات الدولية".

    في السياق نفسه، نقلت وكالة رويترز عن مذكرة داخلية أُعدت للقمة أن نيجيريا والجزائر وجنوب أفريقيا والتكتل الإقليمي للجنوب الأفريقي تضغط من أجل إلغاء هذه الصفة عن الكيان الصهويني.

    قصة الاختراق والتوغل الصهيوني

    وعلى مدار عقود، وبوجود حاجز دبلوماسي عربي، لم يستطع الكيان الصهويني تحقيق حلمه بالانضمام إلى الاتحاد الإفريقي، إلا أن هذا الحاجز العربي تهاوى، وبعد رفض عضويتها لمرات ثلاث في السابق، دخلت تل أبيب اتحاد القارة السمراء بحصولها للمرة الأولى على صفة "مراقب" في يوليو من العام الماضي، بموجب قرار فردي من رئيس مفوضية الاتحاد موسى فكي، الذي تحاصره تُهم فساد وتحرش.

    واعترضت 7 دول عربية بشكل رسمي على القرار، بينما التزمت ثلاث دول أخرى الصمت حياله.

    وبهذا القرار، دخلت تل أبيب، التي أغرقت حلفاءها في القارة الإفريقية بالأسلحة والتدريب والتكنولوجيا، عمق القرار السياسي في القارة من أوسع أبوابه، بعد أن ثبتت أقدامها في العمق الاقتصادي، بحسب ورقة "تقدير موقف" صادرة عن وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

    وفي تحقيق موسع، نشر التلفزيون العربي تقريرا، يكشف كيف استطاعت إسرائيل التوغل والدخول في جيوب القارة الإفريقية، بل وعقد صفقات واتفاقيات وباتت كواحدة من الشعوب الفريقية كتفا بكتف وساعة بساعة.

    من المقاطعة إلى التطبيع

    قاطعت الدول الإفريقية إسرائيل لعقد من الزمن، وتحديدا بعد احتلال تل أبيب لسيناء وهزيمة يونيو عام 1967، وترافقت هذه المقاطعة مع سنوات من الدعم الإفريقي للقضية الفلسطينية، والرفض القاطع لاعتداء إسرائيل على مصر، البلد الذي تربع سياسيا على عرش القارة لسنوات.

    في السبعينيات، أصبحت مصر أولى الدول العربية المطبعة مع إسرائيل، بعد اتفاقية كامب ديفيد، ثم معاهدة السلام عام 1979. وبالتالي عادت إسرائيل إلى إفريقيا مجددا، من الباب الكبير مصر.

    وكانت هذه العودة صاخبة، حيث استغلت إسرائيل الأمر، وشيدت جسورا سياسية واقتصادية بين عواصم إفريقية وتل أبيب.

    وكانت بعض تلك العلاقات على استحياء، وظلت الأخرى طي الكتمان والسرية لسنوات، حتى جاء موعد إخراجها إلى العلن، حينما أرادت إسرائيل اختراق قلب وعقل القارة السمراء، أي منظمة الاتحاد الإفريقي.

    بداية الجولة

    وفي يونيو عام 2014، بدأت الحكومة الإسرائيلية جولات رسمية، شملت رواندا وساحل العاج وغانا وأثيوبيا وكينيا، وقادها وزير الخارجية آنذاك، أفيجدور ليبرمان، بهدف رئيسي تمثل في تعزيز مساعي إسرائيل في الحصول على صفة المراقب في الاتحاد الإفريقي.

    عام 2016، حاولت إسرائيل تعزيز حضورها في أفريقيا مجددا، من خلال جولة أخرى قادها هذه المرة رئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو، وشملت الجولة 4 دول أوغندا، وكينيا، ورواندا، والحليف الإفريقي الأول حاليا لإسرائيل إثيوبيا.

    وفي الوقت نفسه، خصصت إسرائيل ميزانية بقيمة 13 مليون دولار لتوثيق العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، فكانت جولة نتنياهو إيذانا بعودة إسرائيل العلنية إلى القارة السمراء.

    فشل القمة الإسرائيلية الإفريقية

    في أكتوبر 2017، دفعت إسرائيل نحو تنظيم قمة إسرائيلية – إفريقية في توجو، تجمع رؤساء الدول الإفريقية باستثناء الدول المغاربية.

    إلا أن تلك القمة أُلغيت؛ الأمر الذي اعتُبر ضربة لمساعي نتنياهو من أجل كسب أصوات لصالح مشروع الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي، خاصة وأن طلب إسرائيل الانضمام إلى المنظمة كان قد رُفض ثلاث مرات، في أعوام 2013 و2015 و2016.

    ورغم الإحباط الذي مُنيت به إدارة نتنياهو، إلا أن ذلك لم يمنعه من تعزيز نفوذ إسرائيل السياسي والعسكري والاستخباراتي، خاصة في كل من روندا وإثيوبيا.

    الانضمام وكتابة تاريخ أسود

    للتذكير،يضم الاتحاد الإفريقي 55 دولة، إضافة إلى السلطة الفلسطينية التي تحمل صفة عضو مراقب، ويقع مقره في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

    في المقام الأول، يمثل الاتحاد جزءا من إستراتيجية تل أبيب للتأثير في المنطقة العربية التي تحتضنها القارة السمراء، حيث تسعى إسرائيل إلى التحالف مع جيران هذه المنطقة الذين يمثلون عمقها الإستراتيجي.

    كما يمثل جزءا هاما من مخطط يسعى لكسب التأييد الإسرائيلي على المستوى العالمي، حيث تأمل تل أبيب بأن يمنع انضمامها إلى الاتحاد الإفريقي، تصويت الدول الإفريقية ضدها في المحافل الدولية.

    كما تسعى تل أبيب لاستغلال الإمكانيات الاقتصادية للقارة السمراء، حيث الفرص المتاحة في سوق التكنولوجيا وتجارة الأسلحة وتقنيات الأمن المتخصصة، إلى جانب التعدين والطاقة والبنية التحتية، وغيرها من كنوز إفريقيا التي تحلم بها تل أبيب.

    أضف إلى كل ذلك، رغبة إسرائيل في نفي صفتي العنصرية والاحتلال عن نفسها، عبر قبولها في دول العالم الثالث، وتزداد تلك الرغبة مع التصاق تهم "الأبارتايد" أو نظام الفصل العنصري بإسرائيل، وبالتالي لا يوجد سبيل لتبييض الوجه أفضل من الاتحاد الإفريقي، الذي يضم جنوب إفريقيا، وهي الدولة التي قضت على هذا النظام وأعلنت انتهاءه مطلع تسعينيات القرن الماضي.

    هيمنة الصهاينة على القارة السمراء

    وفي مقابل التوسع الإسرائيلي في إفريقيا، شهدت القارة السمراء انحسارا عربيا، رغم كونها من أبرز الداعمين للقضايا العربية خلال العقود الأولى بعد التحرر من الاستعمار الغربي.

    وبالفعل، ازداد اتساع الشرخ بين العالم العربي وإفريقيا مؤخرا، بعد أن فقدت القوى العربية الأشد تأثيرا في المنطقة، وبالتحديد دولة الانقلاب مصر، عمقها الإفريقي لصالح قوى إفريقية أخرى مثل إثيوبيا.

    دليل ذلك، فى عام 2019، وصل نتنياهو إلى تشاد في زيارة للتباحث حول إمكانية فتح سفارة تشادية في القدس المحتلة، على غرار أميركا ودول أخرى، وحملت الزيارة أيضا العنوان الدائم لزيارات أي مسؤول إسرائيلي لأفريقيا "تعزيز التعاون الاقتصادي الثنائي".

    بعد تلك الزيارة، غرد رئيس الوزراء الإسرائيلي قائلا "إسرائيل عادت إلى أفريقيا، وإفريقيا عادت إلى إسرائيل".

    اتفاقات التطبيع

    كانت تلك العبارة فاتحة اتفاقات تطبيع وقعتها إسرائيل مع السودان والمغرب، اللذين أعلنا تطبيع علاقتهما إلى جانب الإمارات والبحرين.

    كما أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية مع تشاد عام 2019، التي كان موسى فكي رئيسا لوزرائها بين عامي 2003 و2005، ووزيرا لخارجيتها بين عامي 2008 و2017، أي قبل انتخابه رئيسا لمفوضية الاتحاد الإفريقي عام 2017.

    في ذلك الوقت، تعهّد نتنياهو بإنفاق نحو مليار دولار في أفريقيا على مدار 4 سنوات، لتحسين مشاريع الطاقة.

    وهكذا، أصبحت الدول الإفريقية في غنى عن تبرير علاقاتها مع إسرائيل، أمام مسارعة دول عربية للتطبيع، على الرغم من أن الدول الإفريقية ظلت لفترة طويلة مناصرة للقضية الفلسطينية، بل وشكّلت حجر عثرة على طريق قبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد، خاصة خلال رئاسة جنوب أفريقيا للاتحاد الإفريقي.

    وبحلول عام 2021، بدا أن اللحظة مناسبة لإسرائيل للانقضاض على الاتحاد الإفريقي واقتناص حلمها القديم، الذي لم تنجح في تحقيقه طوال 19 عاما.

    في 22 يوليو 2021، حصلت إسرائيل على عضويتها في الاتحاد الإفريقي بصفة "مراقب"، لتُحقق بذلك حلما قديما سعى إليه نتنياهو منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة، وحصل بعد خروجه منها بشهر واحد فقط.

    في 3 أغسطس2021، أي بعد مرور نحو أسبوعين على قبول عضوية إسرائيل، قدمت 7 دول عربية، وهي الجزائر، ومصر، وليبيا، وتونس، وموريتانيا، وجزر القمر، وجيبوتي- اعتراضا على الإجراء الذي قام به رئيس مفوضية الاتحاد، واعتبرت الدول السبع، في رسالتهم للاتحاد، أن ما فعله فكي، هو تجاوز إجرائي وسياسي غير مقبول.

    سر تمسك الكيان بإفريقيا

    فى سياق متصل، أوضحت ورقة "تقدير الموقف"، الصادر ة عن المركز العربي، أن إسرائيل تُدرك أهمية الاعتراف بها رسميا في الاتحاد الإفريقي.

    ورغم أن للكيان الصهيوني علاقات رسمية وسرية تربطها بـ46 دولة عربية وإفريقية، في إطار اتفاقيات تعاون عسكري وأمني واقتصادي، إلا أن قرار الانضمام يمنحها إنجازا معنويا، إضافة إلى بعض الامتيازات، من بينها الوصول إلى القنوات الرسمية للتأثير في القضايا التي تهم مصالحها، وعلى رأسها تقويض التعاطف الإفريقي مع القضية الفلسطينية.

    وتبرز قيمة هذا الإنجاز لدى إسرائيل، من خلال الاحتفال والاحتفاء البالغين اللذين أظهرهما وزير الخارجية الصهيوني، عندما أعلن خبر قبول عضوية بلاده مراقبا في الاتحاد، باعتباره تتويجا لجهود استمرت 20 عاما.

    القمة الأفريقية إسرائيل مراقب اقتصاد عسكر انقلاب

    تقارير